من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - لله الأمر من قبل ومن بعد
[١٠] بعد ذلك يذكرنا الرب بأحد سننه وتقديره في الحياة والتي قد لا يراها البعض، وهي: أن عاقبة الذين أساؤوا ستكون السوأى، بأن كذبوا بآيات الله، ومن ثم الاستهزاء بها. وهذه الآية تهز الإنسان من الأعماق، ذلك أن الشيطان حين يخدع البشر يهون عليه السيئات إلى أن يستدرجه من الذنب الصغير إلى أكبر منه، حتى تغطي الذنوب كل أعماله، ومن ثم يأتي إلى عقيدته ويسلبها منه، ويتركه في جهنم، وإن السيئات تشبه منحدرا، كلما هوى أكثر كلما ازدادت جاذبية الأرض وضعفت مقاومته.
ولكن السؤال: كيف يصل البشر إلى هذه المرحلة من الضلال، فيكذب بآيات الله ويستهزأ بها؟
والجواب: إن للإنسان في داخله قوة تبريرية، تبرر لضميره فعل السيئات، فقد يرى- مثلا- يتيما يمسك قطعة خبز يأكلها، فيسلبها منه، ويأخذها عنوة، ثم يشعر بوخز الضمير، وعتاب الوجدان، فيعمل على تبرير عمله، بمجموعة من الأعذار المعلبة، فيقول مثلا
أولًا: أنا جائع واليتيم ليس بجائع.
ثانياً: الناس يعطون اليتيم ولا يعطونني.
ثالثا: من الذي يقول بأن اليتيم ليس بسارق للخبز، وإلا لما أكلها بعيدا عن الأنظار؟!.
رابعاً: من الذي يدعي بوجود العطف على اليتيم؟! .. وشيئا فشيئا تتبدل قيم هذا الإنسان حتى يصدق قناعاته الجديدة، فهذا الذي عمل الذنب بدافع الغريزة الجنس، الجوع، الخوف، الحرص .. يفعل الذنب بعدئذ بدافع التعود على الذنب نفسه، فيصبح مجرما محترفا.
وهكذا كان نمرود وفرعون وسائر المستكبرين، فهم لم يدعوا الألوهية من أول يوم، بل استدرجهم الشيطان حتى أنساهم ذكر الله، وأصبحوا كذلك يكذبون بآياته، ويستهزئون بها .. من هنا يجب على الإنسان أن يحسب حساب الخطوة الأخيرة حينما يقرر اتباع الشيطان في الخطوة الأولى، يقول الله تعالى ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون السوأى: مؤنث الأسوأ، أي كانت عاقبتهم أسوء عاقبة.
ونعوذ بالله فهذا البشر الضعيف الحقير المستكين المحتاج ليس فقط يكذب بآيات الله، بل ويستهزئ بها.