من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٩ - محورية القيادة الرسالية في المجتمع
الجواب: إن الرسول صلى الله عليه واله لم يكن يخشى أحدا إلا الله، ولكنه كان يخشى الناس أن يكفروا برسالة ربه لو تزوج بزينب، بسبب شكهم في أن الرسول ضغط على زيد (ابنه بالتبني) ليطلق زوجته ثم يتزوجها بعده. وهكذا كانت سيرة الأنبياء أنهم يكلمون الناس على قدر عقولهم، وفي رواية عن الصادق عليه السلام
(مَا كَلَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله العِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ.
وَقَالَ
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ)
[١]، وهذه الآية تشبه قوله تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة: ٦٧].
فخشية الرسول من تبليغ بعض بنود الرسالة لم تكن على نفسه، إنما على الناس أن يكفروا به وبها.
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا أي لما تمتع بها زيد فترة من الوقت ثم طلقها زوجها الله رسوله. وكانت زينب تفتخر على سائر زوجات الرسول بأن الله هو الذي زوجه منها وبنص القرآن.
أما الهدف من وراء ذلك فهو كسر العادة الجاهلية، ورفع الحرج عن المؤمنين في الزواج من مطلقات أبنائهم بالتبني.
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ولأن البعض ربما يتصور بأن هذا القضاء سوف يفشل بسبب تعارضه مع العرف الاجتماعي، أكد ربنا بأن أمور الحياة بيده وليست بيد الناس، وأنه قادر على إجراء ما يريد.
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فمع أن بعضا من أمور الحياة خولها الله للإنسان، إلا إن مسيرتها العامة بيده، يفعل ما يشاء، ولهذا قال الإمام علي عليه السلام
(عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ) [٢].
[٣٨] ثم يؤكد القرآن بأن القيادة الرسالية ليست هي التي تنسى الدنيا من أجل الآخرة، أو تنسى ضرورات الحياة، فالرسل- وهم قادة الناس- بشر فرض الله عليهم أن يعيشوا كسائر البشر حياة تجمع العقل والحاجة، ولا يمكن لأحد أن يتجاوز هذا الفرض لكونه قائدا، ثم يدعي بأن ذلك من ضرورات الرسالة، فمن لا معاش له لا معاد له.
[١] الكافي: ج ١، ص ٢٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ١٩٧.