من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا
أبرز عيب فيه عدم السماع، ولم يستخدم السماع للأعمى لأنه يسمع، بل قال وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ.
إن السمع الذي هو بداية فهم التجربة والانتفاع لا يكون إلا عند التسليم، فمن فقد حالة التسليم النفسي للحق لم ينتفع حتى بسمعه إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.
وكلمة أخيرة: في درس مضى قرأنا قوله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وفي الآية بعدها يذكر إرسالا آخرا، ولكن ليس للرياح وإنما للرسل، فيأتوهم بالبينات وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وفي الآية بعدها يبسط القول في الرياح فيقول اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
وبعد ذلك يتكلم عن إحياء الأرض بعد موتها بالمطر.
ونستوحي من هذا الترتيب
أولًا: أن الله كثيرا ما يربط بين إرسال الرياح وبين إرسال الرسل، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ٥٧- ٥٩].
وهكذا تكون رسالاته مظهرا لبركاته، كما الرياح الخيرة.
ثانياً: لقد فسر آل البيت عليهم السلام السحاب بالرسول صلى الله عله واله وفسروا إحياء الأرض بعد موتها بإحياء الأرض بأئمة الهدى.
وجاء في بعض الروايات أن ذلك جاء في حق صاحب الأمر القائم (عج). فعن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قال
(يُحْيِيهَا اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالقَائِمِ بَعْدَ مَوْتِهَا يَعْنِي بِمَوْتِهَا كُفْرَ أَهْلِهَا وَالكَافِرُ مَيِّت)[١].
[١] بحار الأنوار: ج ٥١، ص ٥٤.