من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - وكانوا بآياتنا يوقنون
يبصرها الإنسان قبل أن يسمع عنها.
وهذا من أساليب المنهج الإلهي للوصول إلى اليقين، إنه يدعو إلى النظر والتفكر في الآيات من حوله، فخلفيات الأحداث التاريخية والاجتماعية، كما تجليات الحكمة في آيات الكون، وكدورة المطر منذ البداية حتى سقوطه، كلها تشير إلى إله يدبر الحياة، ويقدر أحداثها وشؤونها بقدرة مطلقة، وحكمة بالغة.
[٢٨] فهو تعالى لا يستجيب لتحديات الكفار والمعاندين متى شاؤوا، إنما حيث شاء ومتى أراد، حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه.
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ تحديا للمؤمنين، وتكذيبا برسالة الله، أما المؤمنون فإنهم يثبتون على خطهم، ولا يرتابون في وعد الله حتى لو تأخر بعض الوقت، خلافا للطرف الآخر الذي يزيدهم الإمهال ريبا، ويشكل لهم عقبة فكرية.
[٢٩] و ينسى هؤلاء أن الإمهال لا يعني الإهمال، إنما يعني أحد أمرين
الأول: أن الله يتيح لهم فرصة العودة للحق.
الثاني: إذا لم يستفيدوا من هذه الفرصة، فإن الإمهال سيكون وبالا عليهم، لأنه حينئذ يستتبع مزيدا من العذاب- كما ونوعا- تبعا لتماديهم في العصيان- كما ونوعا أيضا- وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨].
ويؤكد الله هذين المعنيين، حيث يقول مخاطبا نبيه صلى الله عله واله قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا من قبل، وتحدوا الله ورسوله والمؤمنين، حينما تقتضي حكمة الله نصر أوليائه؛ إِيمَانُهُم لأن الإيمان الذي ينفع صاحبه، هو الإيمان النابع من الوعي بضرورته، لا من السيف أو العذاب أو المصلحة.
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إن الإيمان الناتج لا عن وعي بضرورته، بل بسبب عامل مؤقت يذهب أدراج الرياح بمجرد زوال ذلك العامل، فالذي يكف عن السرقة والجريمة لأن أنظار الناس تراقبه وليس لوازع نفسي أو ديني، فإنه يعود إليها بمجرد علمه أو ربما ظنه بأنه صار بعيدا عن أعين الناس، وهكذا لا يتقبل الله ذلك الإيمان الذي يبادر إليه الكفار عند نزول العذاب، بل لا يُمهلون.
[٣٠] وفي نهاية السورة يؤكد القرآن على المؤمن، أن لا يربط مصيره بمصير الكفار، فإذا