من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون
الخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا قَطُّ فَذَلِكَ أَفْضَلُ نَعِيمِ الجَنَّةِ
. قَالَ- الرَّاوِي-: سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ بِمَ يَتَغَنَّيْنَ؟. قَالَ: بِالتَّسْبِيحِ) [١].
والصوت الحسن نعمة، فبالإضافة إلى النعم المادية التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة كالأكل والشرب، هناك نعمة معنوية وهي إشباع القلب ذكرا لله ومعرفة به وحبا له، وبالرغم من أن الصوت الحسن ليس كل اللذة الروحية، إلا إنه لو كان يحمل للإنسان فكرا وعلما، وتذكيرا بالله، وهدى يبلور القيم الحق، آنئذ يكون لذة جسمية ومعنوية في نفس الوقت، ولذلك جاء في الحديث السابق: أن السماع أفضل نعم الجنة حين تمجد الحور الله وتقدسنه.
وهكذا كانت أعظم لذات المؤمن في الدنيا الصلاة ومناجاة الله سبحانه، يقول رسول الله صلى الله عله واله
(حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)
[٢]. وقال صلى الله عله واله
(جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ وَ كَانَ يَقُولُ أَرِحْنَا يَا بِلَالُ) [٣].
وفي مناجاة العارفين للإمام السجاد عليه السلام يقول
(إِلَهِي فَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَوَشَّحَتْ
[تَرَسَّخَتْ]
أَشْجَارُ الشَّوْقِ إِلَيْكَ فِي حَدَائِقِ صُدُورِهِمْ وَأَخَذَتْ لَوْعَةُ مَحَبَّتِكَ بِمَجَامِعِ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ إِلَى أَوْكَارِ الأَفْكَارِ يَأْوُونَ وَفِي رِيَاضِ القُرْبِ وَالمُكَاشَفَةِ يَرْتَعُونَ وَمِنْ حِيَاضِ المَحَبَّةِ بِكَأْسِ المُلَاطَفَةِ يَكْرَعُونَ وَشَرَائِعِ المُصَافَاةِ يَرِدُونَ قَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَانْجَلَتْ ظُلْمَةُ الرَّيْبِ عَنْ عَقَائِدِهِمْ مِنْ ضَمَائِرِهِمْ وَانْتَفَتْ مُخَالَجَةُ الشَّكِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ وَانْشَرَحَتْ بِتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ صُدُورُهُمْ وَعَلَتْ لِسَبْقِ السَّعَادَةِ فِي الزَّهَادَةِ هِمَمُهُمْ وَعَذُبَ فِي مَعِينِ المُعَامَلَةِ شِرْبُهُمْ وَطَابَ فِي مَجْلِسِ الأُنْسِ سِرُّهُم) [٤].
[١٦] هذا عن حال المؤمنين في الجنة، فما هو حال الذين كفروا؟!.
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ فالمؤمنون يذهبون سراعا إلى الجنة، أما الكافرون فإنهم يساقون إلى النار سوقا، ولأن الجنة تزلف إلى أهلها فهي أمامهم، بينما تقرب النار إلى الكافرين، ويساقون إليها في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا.
ولعل الآية تعالج مرضاً روحياً، وتبريرا طالما يأوي إليه الجاحدون، ألا وهو تكذيب
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٩٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٣، ص ١٤١.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٩، ص ١٩٣
[٤] الصحيفة السجادية: المناجات الثانية عشر.