من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٢ - الإحسان تكامل وهداية
استغلال الطبيعة وتسخيرها في خدمة الإنسان، ذلك أن من صفات المجتمع الإيماني، بحث أفراده عن وسائل للعطاء والإحسان، ولا يمكنهم ذلك إلا بتسخير الطبيعة، مما يدفعهم لاستغلالها، وإعمال عقولهم بحثا عن حل لكل المشاكل والعقبات التي تعترض هذا الهدف، وبالتالي فإن أبوابا كثيرة سوف تنفتح أمامهم، وكلها طرق جديدة للسيطرة على الحياة واستغلالها، وهذا جانب من الهداية. أوليست الحاجة أم الاختراع؟!
[٤] ولكن كيف يمكن أن نوجد صفة الإحسان في المجتمع؟
١- بالصلاة لأنها معراج الروح نحو الفضيلة، باعتبارها تقرب الإنسان إلى رب العالمين.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وإقامة الصلاة بالمعنى الحقيقي تتضمن بل تستدعي الإحسان، كما إن الصلاة تأتي نتيجة الإحسان، أليس المحسن يهديه الله؟! أوليس الإحسان يروض النفس ويزكيها؟!
٢- بالزكاة التي تربي الروح على الإحسان، وتطهرها من حب الذات.
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ والزكاة ليست مجرد واجب ديني يقوم به المؤمن، بل هي برنامج يدربه على الإحسان، ومنطلق له نحو العطاء.
٣- باليقين بالآخرة، فالذي يقتصر نظره على الدنيا يكون منتهى السعادة عنده أن يتنعم ويستلذ حتى يعتقد كما قيل: أن الحياة لذة وشهوة، أما الآخر الذي يتيقن بالآخرة (الجزاء) وأن مستقبله فيها قائم على ما يقدمه في سبيل الله هنا في الدنيا، فهو يكتفي بما يقيم أوده لنفسه، ويدخر ما سواه لآخرته وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
[٥] و يؤكد القرآن الكريم: أن هذه الصفات دليل على الهدى من جهة، وسبب الفلاح من جهة أخرى أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ في الدنيا بالهدى والنمو الذي يسببه الإحسان، ومحبة الناس لهم، وفي الآخرة بجزاء الله لهم، وإذ يحدثنا الله بصيغة المجتمع عن تجمع بصفة عامة وليس عن فرد واحد، فلأن الإحسان بالنسبة لفرد واحد يعيش في مجتمع فاسد قد لا ينفعه في الدنيا، أما إذا كان ضمن تجمع من المحسنين فإنه سيكون ذا جدوى في الآخرة والدنيا أيضا، بتعميقه روح المحبة والوئام داخل المجموع.
[٦] و لأن من مميزات السياق القرآني أنه يعرفنا مختلف المسائل والحقائق بذكر أضدادها، فبذكر النار يعرفنا الجنة، وبذكر الكفر يعرفنا الإيمان، نجده هنا أيضا يحدثنا عن الحالة المخالفة للإحسان.