من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠١
وفي الدرس الأخير من سورة يس تذكرنا الآيات بهذه الحقيقة عبر بيان شواهد تدبير الله لحياة البشر.
بينات من الآيات
[٧١] ظواهر كثيرة نتعامل معها يوميا، ولكن دون أن نتبصر ما وراءها من حقائق، وأعظمها نعم الله السابغة التي تهدينا إلى حبه وشكره ومعرفة أسمائه الحسنى، ومن أبرزها قدرته وحكمته، وهما اسمان كريمان يدلان على يوم البعث.
من تلك الظواهر امتلاك ناصية الأنعام، فلقد خلقها الله بيد قدرته خلقا، ثم أودع فيها منافع شتى، و سخرها للإنسان، ولو شاء لجعلها وحشية صعبة المراس، كما جعل في البشر حب التملك وقدرة التملك. أرأيت لو لم يكن البشر يحب السيطرة هل كان يسخر شيئا مما حوله؟!.
أَوَلَمْ يَرَوْا هذه الظاهرة المتكررة التي يمرون عليها دون أن يتفكروا فيها، وإذ هم لا يتفكرون فكأنهم لا يرون شيئا.
أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا والله لم يخلق الأنعام خلقا مباشرا، بأن يقول لها: كوني فكانت، إنما خلقها عبر شبكة من الأنظمة و السنن لا تحصى عددا، ولعل قوله تعالى مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا إشارة إلى هذه الحقيقة التي تجعلنا أكثر امتنانا لبارئنا، وأكثر وعيا بقدرة ربنا وحكمته، وبالتالي بيوم الجزاء الأوفى.
أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ فهم الآن يملكون تلك الأنعام فعلا، ويسيطرون عليها ويسخرونها لمنافعهم.
[٧٢] تكاملية نعم الله دليل علمه وقدرته. إنك تجد الإبل- مثلا- يقوم بذات الحاجات المتنوعة التي يعيشها البشر، فهو يحمله مسافات شاسعة دون كلل. أرأيته كيف يقطع الربع الخالي في الجزيرة العربية معتمدا على ما فيه من أشواك حادة وماء قليل؟! أرأيته كيف يتحمل وعثاء السفر والعواصف الرملية الهوج، ويجري في الرمال المتحركة كما تجري السفن بين الأمواج؟! وفي ذات الوقت تراه يسقي الإنسان لبنا سائغا، وإذا اشتهى لحما نحره واستفاد منه، وفيه بعد كل ذلك جمال وعزة، وكما الإبل سائر نعم الله وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ.
[٧٣] وتجد في أوبارها وأشعارها وجلودها متاعا ولباسا وبيوتا خفيفة وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ والهدف الأسمى من نعم الله ليس مجرد الانتفاع بها ولكنه التسامي الروحي إلى