من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥١ - وكانوا بآياتنا يوقنون
[٢٥] ولكن بالرغم من وجود أئمة صالحين في أصحاب موسى عليه السلام كان هناك فريق يكفرون بالحق، وهذا الاختلاف بين أتباع الرسل من بعدهم من الحقائق التي سجلها التاريخ بعد كل رسول، وبينها الذكر لنميز بين الخطوط المختلفة، عبر بصيرة الإيمان التي توحي بالمقاييس المبدئية، والتي هي عند الله ثابتة لا تتغير وسوف تتجلى يوم القيامة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
إن معرفة الإنسان بوجود محكمة عادلة ستقضي بالحق تزيد من قوة عقله أمام وساوس الشهوة وهمزات الشياطين.
[٢٦] أما عن سبب الاختلاف بعد الرسل، فهو كما صرح القرآن في موضع آخر: الأهواء والمصالح، إذ قال كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣]. وفي هذه الآية يحذر الله الأمة الإسلامية من الاختلاف، ويدعونا للنظر في التاريخ، لنعرف مصير الذين اختلفوا عن رسالات الله، وابتعدوا عن نهجها السليم، مؤكدا أنه كما يفصل بينهم في الآخرة، فقد يفصل بينهم في الدنيا بهلاك المنحرفين أو بنصر المؤمنين عليهم كما في الآيات (٢٨- ٣٠).
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ وينبغي لهم أن يستفيدوا من هذه الآثار عبرة في حياتهم، فيجتنبوا عن الخطأ حتى لا يصطدموا بذات النتيجة- وهذه هي الآية المادية الظاهرة- ثم إن القرآن هو الآيات المعنوية التي تكشف عن الواقع، والتي يجب الاستماع إليها والعمل بها.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ فتلك يرونها بأعينهم، وهذه يسمعونها بآذانهم، ولكن المطلوب أن تعقلها ألبابهم، وتنعكس على حياتهم وواقعهم في صورة هداية.
[٢٧] و كما أن آيات الله في عالم الإنسان تهدي إلى هيمنته على الحياة، وتدبيره لشؤونها، فإن آياته في الطبيعة تهدي إلى ذات الحقيقة.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ.
هناك يقول أَفَلا يَسْمَعُونَ، لأن الوسيلة التي تنقل للإنسان التاريخ هي حاسة السمع أكثر من أي وسيلة أخرى، وهنا يقول أَفَلا يُبْصِرُونَ حينما يتحدث عن الطبيعة التي