من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون
ولد الإنسان نسلا لأنه ينفصل عنه) [١]. ولعلنا نستوحي من هذا أن القبر يضحى كرحم الأم ينسل منه أبناء آدم نسلا.
[٥٢] وهنالك يعترف هذا الإنسان الخصيم الذي استهزأ بكل المرسلين، وأعرض عن كل الآيات، و ينادي بالويل لنفسه، ويزعم أنه كان نائما. ويتساءل: أية قدرة استطاعت بعثه من محل نومه بعد طول الرقاد؟!)
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا وهنالك يأتيه النداء من الملائكة هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ إنه الله الذي أنجز وعده، ليرحم عباده المؤمنين، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً [مريم: ٦١]. ويمكن أن يكون القائل هم الكفار، فيكون اعترافا منهم بوعد الله، ويمكن ألا يكون لهذه الكلمة أساسا قائل خاص بل يكون مقتضى المقام هذا المقال، سواء وجد قائل أم لم يوجد.
وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ الذين أنبؤوا عن الرحمن وعده.
إن سورة يس قلب القرآن، وهو يعبر عن ضمير الخليقة، الذي يتمثل في رحمة الله، ولعله لذلك تتكرر كلمة الرَّحْمَنُ فيها.
[٥٣] بصيحة أهلك القوم جميعا، وبصيحة ابتعثوا جميعا، وبصيحة يحضرون في مقام الحساب عند ربهم إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ، ويبدو أن التعبير هنا يوحي بما يوحيه قوله- سبحانه- في خاتم السورة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ولكن هذا التعبير جاء في مقام الشدة فناسب الحديث الصيحة، وهي تدل على سرعة نفاذ أمره، وأن كل شيء مستجيب لإرادته.
[٥٤] هنالك يتجلى العدل الإلهي الذي قامت به الخليقة جميعا، فلا يظلم أحد شيئا، بل حتى جزاؤهم إنما هو ذات أعمالهم التي تتجسد، فإن كانت صالحة فهي جنات الخلد، وإن كانت الأخرى فعذاب شديد. فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، والله ليس بظلام للعبيد، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم، بلى؛ إنه أعطى الحرية المحدودة للناس في الدنيا ليبتليهم بها فظلموا أنفسهم، ولولا أنه جعل دار البقاء (الآخرة) وجعل فيها جزاء وافيا للظالم و المظلوم لما سمح لأحد بظلم أحد حتى في الدنيا، لأنه ليس بظلام للعبيد. وأساسا إننا نعرف وجود الدار الآخرة من خلال معرفتنا بأمرين
أولًا: أن الله عزيز رحيم فلا يمكن أن يظلم بحضرته أحد من عباده دون أن يغيثه.
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٤١٩.