من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٠
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فليس فيضا أو صدورا، وليست دورة وجودية كما تقول الدهرية والذين تأثروا بهم من الفلاسفة، إنما هو فعل محدث لرب القدرة، فحيث أراد خلق المشيئة بعظيم قدرته فخلق الأشياء بالمشيئة، حسب حديث مأثور [١].
والتعبير ب يَقُولَ لبيان حدوث الإرادة، وإلا فربنا غني عن إحداث تحول لفعل الأشياء وهكذا جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام
(يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ولَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ وإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ ومَثَّلَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً ولَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً) [٢].
إن الكلمات تقف دون تبيان الغيب الإلهي عاجزة كليلة، وإنما تقرب إلينا قدر المستطاع- حقائق الغيب بما هي قريبة منها في عالم الشهود، فإننا- مثلا- حين نريد شيئا نأمر به والأمر عادة يكون بالتعبير عنه قولا، لذلك نجد القرآن يعبر أن أمر الله بالكلمة أو بالقول.
وقد وهب الله هذه القدرة لأهل الجنة، فقال في آية مضت وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ، وقال في قصة سليمان قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ] النمل: [٤٠.
هكذا بمجرد أن يشتهي أهل الجنة شيئا يجدونه عندهم بإذن الله، كذلك بمجرد إرادة خليفة سليمان عرش بلقيس وجده عنده.
[٨٣] وفي ختام السورة وبعد أن يصف القرآن ربنا بما ينبغي من القدرة والعلم يقدسه من كل نقص أو عجز أو فقر فيقول فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أولًا ترى آثار الفقر والحاجة والضعف في كل شيء؟ إن ذلك شاهد مملوكية لمالك غني مقتدر قوي، هكذا ينطق كل شيء بأن ربنا سبحانه القدوس المبارك المتعالي.
وإذا عرفنا قدسية الرب وقدرته وحكمته آمنا بالنشور، وكلما ازداد المرء معرفة بربه ازداد إيمانا باليوم الآخر وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
[١] عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ: «
خَلَقَ اللهُ المَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِالمَشِيئَةِ
» الكافي: ج ١، ص ١١٠.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ١٨٦.آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.