من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - الإطار العام معرفة الله؛ ينبوع كل خير
سواء في درجاتهم، فليس سواء عالم وجهول، إنما يخشى الله من عباده العلماء، و إن الذين يتاجرون مع الله بتلاوة الكتاب، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيله سراً وعلانية، فان تجارتهم لن تبور، وأن الله يزيدهم من فضله، وهو غفور وشكور (الآيات: ٢٧- ٣٠).
والكتاب الذي أنزل على الرسول صلى الله عليه واله حق ويصدق الذي بين يديه، وقد أورثه الله الذين اصطفاهم من عباده (وهم ورثة الأنبياء من علماء أهل بيت الرسول صلى الله عليه واله فمنهم ظالم لنفسه (إذ لم يتحمل علم الكتاب كماينبغي، بل خلط عملًا صالحاً وآخر سيئاً)، ومنهم مقتصد (قد حمل الكتاب بقدر مناسب، وهو العالم الرباني الذي يصوم نهاره ويقوم ليله)، ومنهم سابق بالخيرات (وهو الإمام الذي بلغ حق اليقين) (الآيات: ٣١- ٣٢).
وجزاؤهم جميعاً جنات عدن يدخلونها يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤاً، وهم يحمدون الله على ما أذهب عنهم الحزن، بينما الكفار يخلدون في العذاب الشديد، ولا ينفعهم الصراخ، ويقال لهم: ألم نعمركم ما يكفيكم للتذكرة، وأرسلناإليكم النذير؟ (الآيات: ٣٣- ٣٧).
ويعود السياق لبيان أسماء الله الحسنى، مما يوجب علينا تقواه والحذر من عقابه. فالله يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما في الصدور (فعلى الإنسان مراقبته علانية وسراً)، وهو الذي يستبدل قوماًبآخرين، وإن عاقبة الكفر مقت وخسارة، وأما الشركاء المزعومون، لا يقدرون على نجاتهم من عذاب الله، لأنهم لايملكون شيئاً، فهم لم يخلقوا شيئاً من الأرض، وليسوا مؤثرين في تدبير السماوات، ولم يحصلوا على تخويل من الله بإدارةشؤون الخلق، وإنما يعدون أنفسهم غروراً، والله يمسك السماوات الأرض و يمنعهما من الزوال فما الذي يصنعه الطغاةوالمترفون؟ (الآيات: ٣٨- ٤١).
ولعل الآيات الأخيرة من السورة إعادة تأكيد على محاورها، ببيان أنهم أقسموا بالله أنهم يبادرون إلى قبول النذيرأكثر من غيرهم، ولكنهم ازدادوا نفوراً بعد أن جاءهم النذير، و السبب أنهم كانوا يريدون العزة بالكفر والاستكبار، ويريدون المال بالمكر. أما الكفر؛ فقد أورثهم المقت والصغار، وأما المكر فقد أورثهم الفقر وعاد عليهم بالخسران، ولايحيق المكر السيء إلا بأهله (الآيات: ٤٢- ٤٣).
وينذرهم السياق بأنهم يتعرضون لعاقبة الكفار من قبلهم، فهل ينتظرون ذلك المصير الذي جرت عليه سنن الله التي لاتبديل فيها ولا تحويل؟! دعهم يسيرون في الأرض لينظروا عاقبة الظالمين من قبلهم. (الآية: ٤٤).