من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
بينات من الآيات
[٢٨] ويمضي السياق قدما في تذكرة المؤمنين بأسماء ربهم وإتمام الحجة على الناس جميعا، ويبين لهم جانبا من قدرة الله، بعد أن صور لهم جانبا من عزته وحكمته، وذلك ببلاغة نافذة، أرأيت كيف هدانا إلى عظيم عزته بأن كلماته لا تحصى؟ هكذا يهدينا إلى قدرته ولطف تدبيره بأنه يخلق الناس جميعا كما لو يخلق نفسا واحدة، ثم يبعثهم كما لو يبعث نفسا واحدة. أرأيت كيف يقرب إلينا حقيقة قدرته ولطفه وإحاطته بالأشياء خبرا!.
مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثم يذكرنا بضرورة خشيته ويقول إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يسمع ما نقوله، ويرى ما نصنعه، وهذا يدعونا إلى تحمل مسؤولية كلامنا وأعمالنا.
[٢٩] إن الله جعل الشمس والأرض في حركة دائمة، من خلالها يحدث الليل والنهار وتتغير الفصول أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ والتعبير القرآني يُولِجُ دقيق جدا من الناحية العلمية، إذ يشير إلى الحركة الفصلية على مدار السنة، فإذا ولج الليل في النهار- دخل فيه وأخذ منه- حتى إذا تعادلا صار الربيع، وهكذا يستمر دخوله في النهار حتى يصير أطول منه فيحيل الفصل شتاء، ثم يمتد النهار شيئا فشيئا- يلج في الليل وينتقص منه- إلى أن يصير أطول منه فيكون الفصل صيفا.
وكما أن للإنسان وسائر المخلوقات أجلا مسمى، فإن للشمس والقمر أجلا مسمى، مما يدل على أن الشمس والقمر لم يكونا شيئا في يوم من الأيام- تماما كالإنسان- وهذا يهدينا إلى أنهما يجريان إلى نقطة الصفر في النهاية، وإلى وجود خطة وتدبير لهما من قبل الله عز وجل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى عند الله، وقد ثبت في العلم الحديث أن الشمس والقمر وسائر الكواكب والنجوم الأخرى في طريقها إلى الانتهاء وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
[٣٠] ماذا ترى حولك في الخلق، أولست ترى سماء مبنية بغير عمد، محبوكة من دو ن أي فطور، وأرضا مدحية، والليل والنهار يختلفان عليها، وكل شيء فيها بمقدار، فإلَام تهديك كل تلك الحقائق؟ أوليس إلى رب مقتدر دائم الملك، دائم القدرة، لا يحد علمه شيء، ولا يبلي سلطانه الزمن، ولا يزيل عزته تنافس، ولا يمتنع عن قهره أحد- سبحانه- ذلك هو الله الحق، الثابت بلا تغيير، الدائم بلا زوال، المعطي بلا نفاد، القاهر بلا نصب.