من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
هدى من الآيات
هل إن الأصل في الحياة الكمال أم النقص؟ العدم أم الوجود؟ فإذا كان الأصل هو الكمال، فإن كل نقص يطرأ على الكون يخالف انتظارنا وتوقفنا، وإذا كان العكس، فإن من واجبنا الشكر لله على كل إضافة جديدة.
حسبنا عودة إلى الوراء توضح لنا الأمر، حيث إننا لم نكن شيئا مذكورا بالأمس، وإن الكمالات قد أضيفت لنا شيئا فشيئا، فصرنا إلى القوة بعد الضعف بقدرة الله، وبعد الجهل إلى المعرفة برحمته.
هكذا كان العدم مهيمنا علينا من كل جانب وصوب، فمن علينا ربنا بنعمة الخلق، وأسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة، حتى إن كل ذرات كياننا المادي والمعنوي هي نعم إلهية علينا، فلماذا نكفر ونتكبر ونطغى ونحن نعلم بأن هذه النعم لن تكون إلا إلى فترة يسيرة، وأنها عرضية تزول عندما يقرر الإنسان أن لا يشكر ربه عليها، أو حينما يكتب الله لها الزوال.
ويتجلى الفرق بين الإنسان الذي يتصور بأن الكمال هو الأصل في ذاته، وبين الآخر الذي يعرف أنه لم يكن شيئا، إنما خلقه الله شيئا ثم أضاف إليه من نعمه، يتجلى الفرق في الصفات بين الصبار الشكور والختار الكفور، لأن كلا هذين الموقفين منطلق من إحدى النظرتين السابقتين، فمن يتصور بأن الأصل هو الكمال لا يرى ضرورة للشكر أو الصبر، لأنه سيعتبر ذهاب النعمة من بين يديه شذوذا لا يطاق، بينما يشكر الآخر- الذي يعتقد بأن الأصل هو النقص والعدم- عند النعم، ويستفيد منها في تكامله، ويصبر عند البلاء لأنه يعتبر النعمة حينذاك أمانة استرجعها الله، وهذا الإيمان يجعله يحير في مهرجان الرضى بقضاء الله والتسليم بقدره، أما الكفور فإذا مسه الخير تراه منوعا، أما إذا مسه الشر فهو جزوع، يدفعه شعوره الدائم بالنقص (الحقارة) إلى التفتيش عن إضافات توصله إلى الكمال، دون التفكير في الوسيلة السليمة ودون معرفة.
ومن أجل أن نخلق في أنفسنا صفة الصبر والشكر، يدعونا القرآن إلى التفكر في أنفسنا في الكون، بحثا عن الحقيقة العظمى فيه، وهي معرفة الله، والإنسان غالبا ما يفكر في مخلوقات الله بذاتها، دون أن يقوده تفكيره فيها إلى معرفة ربه وهذا منهج خاطئ، والقرآن الكريم يوسع أفقنا ويأخذ بأذهاننا إلى ما وراء الحياة الدنيا، ويعطي لنا منهجا ينتهي في كل اتجاه إلى معرفة الله، ذلك أن هذه المعرفة تعطي الإنسان نظرة سليمة إلى هذه الحياة، في سرائها وضرائها، وفي ظاهرها وباطنها.