من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه
يَغلبُ بِهِ نَفْسَهُ وَيجَاهِدُ بِهِ هَواهُ وَيَحترِزُ بِهِ مِن الشَيطانِ وَكَانَ يُداوي قَلْبَهُ بِالتَفَكُّرِ وَيُدارِي نَفْسَهُ بِالعِبَرِ وَكَانَ لا يَظْعَنُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيه فَبِذَلِكَ أُوتِي الحِكْمَة) [١].
إن الإحسان الذي افتتحت به السورة هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ إلى الناس ظاهرة تنبع من الشكر لله سبحانه، ذلك أنه يعني الرضا النفسي والعملي، الذي ينعكس على السلوك في صورة عطاء وتضحية وجهاد، مقابلة لجميل نعم الله، وإحساسا بالمسؤولية تجاهها. ولكل نعمة شكر يختص بها، تبعا لمعطياتها، فشكر نعمة العلم نشره وهداية الناس به
(زَكَاةُ العِلْمِ نَشْرُهُ)
[٢]، وشكر الجاه بذله للمحتاجين
(زَكَاةُ الجَاهِ بَذْلُهُ)
[٣]. بينما شكر نعمة القوة السعي لتحقيق الأهداف السامية كإقامة حكم الله في الأرض من خلال الجهاد الشامل.
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وبذل الإنسان للنعمة في مجالها الذي حدده الله هو الشكر، وسنن الله في الحياة التشريعية منها والتكوينية تقتضي بذلك نماء النعمة، فمن حكمة الله أن تسقي السماء الأرض ذات الزرع أكثر من الجرداء، وأن من يستخدم عضلاته أكثر هو الذي تنمو العضلات لديه بينما تضمر عند الخامل، وأن من يقرأ أكثر ينمو عقله وفكره، والذي لا يستفيد من النعم أو يستخدمها في غير مجالاتها المحددة لا تنمو لديه وتكون مضرة له، كما لو بذل العلم للتباهي أو المال في اللهو واللعب.
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لان المحتاج للشكر هو الإنسان لا الله المتعالي عن الحاجة، والشكر هنا يشمل أيضا الناس، لكن ضمن هدف محدد هو أن يكون ذلك من أجل الله وحده وطلبا لمرضاته وذلك كله يعود على الإنسان نفسه، بما يسببه الشكر من إنماء النعمة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وليس غنى الله كغنى الناس، لأن الآخر غالبا ما يتأسس على النهب والاستغلال، أو يصرف في سحق الآخرين وابتزازهم حقوقهم، وهو غنىً قائم على الاحتياج للغير، بينما غنى الله ذاتي يتفضل به على الآخرين خيرا ونعمة، وهذا هو الغنى المحمود.
[١٣] ثم تتعرض الآيات لبعض وصايا لقمان عليه السلام لابنه، والتي تشكل أبعاد الحكمة، ومفردات الشكر لله.
[١] بحار الأنوار: ج ١٣، ص ٤٠٩.
[٢] الكافي: ج ١ ص ٤١.
[٣] مستدرك الوسائل: ج ٧ ص ٤٦.