من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه
وأول ما يفتتح وصاياه يبين له العلاقة الفاضلة التي يجب أن ينتهجها مع الآخرين والتي تقوم على مبدأ التوحيد، فيحذره من الشرك، فالخضوع المطلق لا ينبغي إلا لله سبحانه، أما البشر فيتقبل توجيهاتهم الصائبة، ولكن بشرط المحافظة على استقلاليته تجاههم بالتوحيد.
إذن فالتوحيد هو الجوهر الذي يجب على الإنسان اعتماده في كل سلوك فردي أو اجتماعي وهذا ما دعا إليه كل الأنبياء، ولعل هذا التأكيد على موضوع الشرك في القرآن يرجع إلى عامل مهم وهو أن مشكلة الإنسان في غالب الأحيان ليس الكفر المحض، فهو يؤمن بإله لهذا الكون، إنما مشكلته هي الشرك بالله.
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
ما هو ذا الظلم العظيم الذي يفرزه الشرك بالله؟.
إن هناك جوانب خفية، وأخرى ظاهرة لهذا الظلم.
حقا إن ضياع الإنسان عن ربه الكريم الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وهبوطه إلى حضيض عبادة الأشياء الضعيفة العاجزة التي لا تنفع ولا تضر إنه لظلم عظيم.
ما الذي نجده لو فقدنا رب العزة وهو الرحيم الودود الذي أحاطنا بإحسانه، ودعانا إلى نفسه، ووعدنا المزيد من عطائه؟!.
من هو أشد فقرا وفاقة ومسكنة منا حين نضل عن السبيل الوحيد للهدى والفلاح والغنى والعز والكرامة؟!.
من أكثر عجزا وذلا وهوانا منا لو خرجنا من حصن الرب إلى مسبعة ذئاب القدرة، وحقل ألغام الثروة، حيث المستكبرين في الأرض بغير الحق .. الله أكبر.
ما أخسر من ترك متجر ربه وتوجه تلقاء غرور الشيطان، ورام عن ربه بدلا.
إن علينا أن نتأمل كثيرا لنعرف هول الابتعاد عن الله، وأخطار الشرك به في عمق ذواتنا، وفي آفاق حياتنا الشخصية.
لكن هذا الظلم العظيم قد يخفى على من لم يتأمل فيه. بيد أن هناك ظلما عظيما ظاهرا يتجلى للناس جميعا، ويتمثل في عاقبة النظام المشرك السائد على الإنسانية جمعاء، هذا النظام العالمي الذي انساقت إليه البشرية حين خرجت عن حصن التوحيد وعبدت رجال الثروة والقوة والضلالة.