من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه
عن الرسول صلى الله عله واله نجد الجواب
سمعت رسول الله صلى الله عله واله يقول
(حَقّاً أَقُولُ لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفَكُّرِ حَسَنَ اليَقِينِ أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ وَ مَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ كَانَ نَائِماً نِصْفَ النَّهَارِ إِذْ جَاءَ نِدَاءٌ يَا لُقْمَانُ هَلْ لَكَ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ تَحْكُم بَيْنَ الناسِ بِالحَق؟.
فَأَجَابَ الصَوْتُ: إِنْ خَيَرنِي رَبي قَبِلْتُ العَافِيةَ، وَلَمْ أَقْبَلِ البَلاءَ، وَإِنْ هُوَ عَزمَ عَليَّ فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ إَنْ فَعَلَ بِي ذَلِكَ أَعَانَنِي وَعَصَمَنِي، فَقَالَتْ المَلائِكَةُ بِصَوْتٍ لَا يَرَاهُم: لِمَ يَا لُقْمَانُ؟.
قَالَ: لِأَنَّ الحِكَمْ أَشَّدُ المَنَازِلِ وأَكَّدُهَا، يَغْشاهُ الظُلْمُ مِنْ كُلِ مَكان، إِنْ وَفى فَبالحَرِّيُ أَنْ يَنْجُو، وَإِنْ أَخْطَأَ أَخْطَأ طَريقَ الجَنَّة، وَمَنْ يَكُنْ فِي الدُنيا ذَلِيلًا وَفِي الآخِرَةِ شَرِيفاً خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الدُنيا شَرِيفاً فِي الآخِرَةِ ذَلِيلًا، ومَنْ تَخَيَّرَ الدُنْيَا عَلَى الآخِرَةِ تَفُتْهُ الدُنْيَا وَلا يُصِيبُ الآخِرَة، فَعَجِبَتْ الملائِكةُ مِنْ حُسْنِ مَنْطِقِهِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَأُعْطِيَ الحِكْمَةَ، فَانْتَبَهَ يَتَكَلَّمُ بِهَا، ثُمَّ كَانَ يُؤازِرُ دَاوودَ بِحِكْمَتِهِ، فَقَالَ لَهُ دَاوود: طُوبَى لَكَ يَا لُقْمَانُ أُعْطِيتَ الحِكْمَةَ، وَصُرِفَتْ عَنْكَ البَلْوَى) [١].
ويبين لنا الإمام الصادق عليه السلام تفاصيل أخرى عن حياة لقمان، والسبب الذي جعل به حكيما نثبت منه بعض النقاط العامة. قال الإمام الصادق عليه السلام
(مَا أُوتِيَ لُقْمَانُ الحِكْمَةَ لِحَسَبٍ وَلَا مَالٍ وَ لَا بَسْطٍ فِي جِسْمٍ وَلَا جَمَالٍ وَ لَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا قَوِيّاً فِي أَمْرِ الله مُتَوَرِّعاً فِي الله سَاكِتاً سَكِيناً عَمِيقَ النَّظَرِ طَوِيلَ الفِكْرِ حَدِيدَ النَّظَرِ مُسْتَغْنٍ بِالعِبَر لَمْ يَنَمْ نَهَاراً قَطْ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الناسِ عَلَى بَوْلٍ وَلا غَائِطٍ وَلا اغْتِسالٍ لِشِدَّةِ تَسَتُّرِهِ وَعُمْقِ نَظَرِهِ وتَحَفُّظِهِ فِي أَمْرِهِ.
وَلَمْ يَضْحَكْ مِنْ شَيءٍ قَطْ مَخَافَةَ الإِثْمِ وَلَمْ يَغْضَبْ قَطْ وَلَمْ يُمَازِحْ إِنْسَاناً قَطْ وَلَمْ يَفْرَحْ لِشَيءٍ إِنْ أَتَاهُ مِنْ أَمْرِ الدُنْيا وَلا حَزِنَ مِنْها عَلَى شَيْءٍ قَطْ وَقَدْ نَكَحَ مِن النِساءِ وَوَلَدَ لَهُ الأَوْلادُ الكَثيرَةُ وَقَدِمَ أَكْثَرُهُم إِفراطا [٢]
فَمَا بَكَى عَلَى مَوْتِ أَحَدٍ مِنْهُم وَلَمْ يَمُّر بِرَجلينِ يَخْتَصِمَانِ أَوْ يَقْتَتِلانِ إِلَّا أَصْلَحَ بَيْنَهما وَلَمْ يَمْضِ عَنْهُما حَتَّى تَحَاجَزَا وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلًا قَطْ مِنْ أَحَدٍ استَحْسَنَهُ إِلَّا سَأَلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ وَعَمَّنْ أَخَذَهُ.
وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةِ الفُقَهاءِ وَالحُكَماءِ وَكَانَ يَغْشَى القُضَاةَ وَالمُلوكَ والسَلاطِينَ فَيَرْثِي للقُضاةِ مِمَّا ابتُلُوا بِهِ وَيَرْحَمُ الملُوكَ وَالسَلاطِينَ لِغِرَتِهِم بِالله وَطَمَأْنِينَتهم فِي ذلِكَ وَيَعْتَبرُ ويَتَعَلَّمُ مَا
[١] تفسير مجمع البيان: ج ٨، ص ٨٠.
[٢] من أفرط فلان ولدا، أي مات له ولد صغير قبل أن يبلغ.