من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٥ - إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
[٦٨] وعادة ما يبحث المضللون عن أعذار ترفع عنهم مسؤولية الانحراف، وتلقيها على كاهل السادة والكبراء منهم، وقد يستطيعون خداع الناس في الدنيا بسببها، ولكن أنى لهم خداع الله؟!.
رَبَّنَا آتِهِمْ السادة والكبراء ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً والله سوف يعذب هؤلاء ضعف الآخرين وأكثر، إلا إن ذلك لن يرفع عن أولئك العذاب، إنما سيمكثون في السعير خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً.
[٦٩] ثم يحذر الله المؤمنين مباشرة بعد تحذيرهم الضمني بالتعرض إلى حال المضللين في الآخرة من الصبر الذي انتهى إليه أولئك باتباعهم القيادات المضلة فهي دوما تسعى لإشاعة الأفكار الخاطئة، والأراجيف والدعايات الباطلة حول قيادة الحق لفض الناس من حولها، وجرهم نحوهم عن طريق الإعلام.
يقولون: لا تنصاعوا لهذه القيادة فإنها تورطكم، وتعرضكم للسجن والقتل والتشريد يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ما تثيره القيادات المضلة من شائعات حول القيادة الرسالية سوف تنفضح، لأن حكمة الله وبالتالي قوانين الحياة وسننها قائمة على نصرة الحق وأهله وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً.
[٧٠] ولأن الشائعات الباطلة قد تتلاقفها الألسن دعا الله المؤمنين إلى الكلمة الصالحة، وإلى تحمل مسؤولية الكلام، ولا يتم ذلك إلا بالتفكير والاستقراء المنطقي، وقبل ذلك كله بتقوى الله، ذلك أن التقوى تصنع في النفس نوعا من الرقابة الذاتية والمحاسبة، فالمتقي يخشى من اتهام الآخرين، ومن المشي بالغيبة والنميمة، وهذه الأمور من مقومات الإعلام المنحرف، والشائعات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ولا يكون القول سديدا حتى يكون سليما، وفي وقته المناسب، ولا يكون كذلك إلا بالتفكير والنظر إلى الواقع والمستقبل. والذي يميز المؤمن عن المنافق أن المؤمن يتحمل مسؤولية كلامه، فهو يفكر كثيرا قبل الكلام، بينما المنافق يبادر بالحديث دون رؤية فيبتلى بكلام، وفي الحديث
(وإِنَّ لِسَانَ المُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وإِنَّ قَلْبَ المُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ) [١].
ولو تكلم المؤمن بكلام ثم اكتشف أنه كان خطأ اعترف بالخطأ، وتراجع عن موقفه وكلامه، أما المنافق فتأخذه العزة بالإثم.
قال أبو عبد الله عليه السلام لعباد بن كثير البصري الصوفي
(وَيْحَكَ يَا عَبَّادُ غَرَّكَ أَنْ عَفَ
[١] بحار الأنوار: ج ٦٨، ص ٢٩١.