من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
الحياة الدنيا؟!.
يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ بينما كانوا يعتذرون عن الاستجابة للحق، والتسليم لقيادة الرسول في الدنيا، وهذا مما يدل على ارتفاع الحجب والتبريرات يوم القيامة، وأن تبريرهم لكفرهم بأنهم لا يعلمون بميعاد الساعة إنما كان للتملص من مسؤولية الإيمان والطاعة لا أكثر.
[٦٧] و مما يقدمه أهل النار لتبرير كفرهم بالقيادة الرسالية أنهم انخدعوا بالقيادات الضالة، ووقعوا تحت تأثيرها. وكل ذلك مرفوض عند الله، لأن الإنسان متصرف وعاقل، وليس آلة جامدة تحركها الأيدي كيف تشاء، فهو إذن مسؤول عن قراراته وأعماله وسلوكياته، وقد حمله الله هذه المسؤولية التي رفض حملها كل الخلائق، وإذا ضيعها فإنما بجهله وظلمه، ومن يعتذر بمثل: إن الأوامر تأتي من فوق، أو إنني عبد مأمور لا ترتفع عنه المسؤولية.
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا السادة: فهم كالحاكم والقائد السياسي، والعسكري، أو النظام الاقتصادي، وسائر الجهات التي يعود عصيانها بالأذى على الناس، أما الكبراء فهم أصحاب الوجاهة الاجتماعية، أو الاقتصادية، وعموم الجهات التي يتبعها الإنسان لمصلحة معينة بإرادته المجردة وليس للخوف منها، وكان من الحري بهم الطاعة لله ولرسوله، خوفا من عذاب الله، ورغبة في ثوابه ورضاه.
ونستوحي من هذه الآية بالإضافة إلى سابقتها: أن السبيل يعني القيادة الرسالية، ذلك أن القيادات المنحرفة ليس تضل الإنسان عن المنهج السليم وحسب، بل وتضله عن القيادة الصالحة.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له يوم الغدير
(وَتَقَرَّبُوا إِلَى الله بِتَوْحِيدِهِ وَطَاعَةِ مَنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُطِيعُوه وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِر وَلَا يَجْنَحْ بِكُمُ الغَي
[ولا يجنح بكم العمى]
فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ الله بِاتِّبَاعِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا قَالَ اللهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي طَائِفَةٍ ذَكَرَهُمْ بِالذَّمِّ فِي كِتَابِه
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) [١].
وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا
أَيْ طَرِيقَ الجَنَّةِ، وَالسَّبِيلُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام) [٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ١١٦.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ١٩٧. بحار الأنوار: ج ٣٠، ص ١٥٢.