من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٨ - صلوا عليه وسلموا تسليما
وعن هذه الآية جاء في تفسير القمي: (فَإِنَّهُ كَانَ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَى المَسْجِدِ وَيُصَلِّينَ خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَإِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ وَخَرَجْنَ إِلَى صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ وَالغَدَاةِ يَقْعُدُ الشَّبَابُ لَهُنَّ فِي طَرِيقِهِنَّ فَيُؤْذُونَهُنَّ وَيَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ ..) [١].
وقد عبر القرآن بكلمة وَنِسَاءِ في عطفه الحديث عن المؤمنين على أمره رسول الله صلى الله عليه واله دون التعبير ب (زوجات المؤمنين وبناتهم) لما في كلمة نساء من ظلال خاص يشمل من جهة الزوجات والبنات، ويشير إلى الحد الشرعي للحجاب، فوجوبه على الأنثى لا يكون إلا إذا بلغت مبلغ النساء عرفا شرعا.
[٦٠] ولأن مشكلة الحجاب ذات طرفين، فإنا نجد السياق في الوقت الذي يفرضه على النساء يزجر الرجال عن إيذائهن، لأنه كما يجب على المرأة الحجاب يجب على الرجل غض البصر، وهنا نجد السياق حادا مع المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفين (وهم الذين يذيعون في البلد الإشاعات الكاذبة).
يقول تعالى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ وكل هؤلاء تجمعهم السلبية الاجتماعية، والذاتية، فالمنافق يعيش بشخصيتين الأولى مع المجتمع والرسالة وهي الظاهرة، والثانية ضدهما وهي الباطنة، أما مريض القلب فهو يعيش العقد، ومختلف الأمراض النفسية، التي يبحث عن متنفس لها، ودائما ما يكون تنفيسه هو التشفي من أبناء المجتمع، أما المرجف فإن طبيعته تضعيف النفوس، وبث الوهن والخوف في صفوف المجتمع، عبر إشاعة الفواحش والأخبار السلبية فيه، ويبدو أن هذه الآية تؤول معنى الأذى في الآية السابقة، فهؤلاء هم الذين يؤذون المؤمنين.
ولا بد للمجتمع والقيادة الرسالية من مواجهة هذا القطاع من الناس حتى تستمر مسيرته التصاعدية، ونهاية هذا الدرس يحدد الموقف السليم من هؤلاء إن لم يرتدعوا بالإنذار.
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ نحرضك عليهم لإخراجهم من المدينة، وتطهير المجتمع من رجسهم ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا في المدينة إِلَّا قَلِيلًا.
إن إبعاد هؤلاء عن المجتمع، وبالتالي عن التأثير فيه أمر مهم، لأن من طبيعتهم الإفساد، فلا حل معهم إلا الاجتثاث الجذري، حتى لا ينفثوا سمومهم، أو يتوسعوا ليكونوا لهم خطا انهزاميا سلبيا في المجتمع، ويبدو أن نزول هذه الآية- وعموما سورة الأحزاب- بعد استئصال الخطر الآتي من مشركي قريش، ويهود المدينة يدل على أن اهتمام المسلمين انعطف نحو تصفية
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ١٩٦.