من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - اعملوا آل داود شكرا
يكتشف مكونات الذرة وهي النواة والإلكترون والبروتون، ثم يجد أن كل عناصر الحياة المادية ومكوناتها، تعتمد على نفس النظام وهو الذرة، مع اختلاف التركيب، لا يهتدي من خلال ذلك إلى حقيقة التوحيد، وأن اليد التي خلقت الذرة هي التي خلقت المجرة.
وفكرة أخيرة نستوحيها من الآية الكريمة هي: أننا عندما نتعمق في فهمنا للآية نجد أن القرآن يربط بين فهم الحياة وتزكية النفس، فكأن الذين لا يتصفون بالإنابة إلى ربهم لا يفهمون الحياة فهما حقيقيا.
[١٠] و كما أن لأسماء الله تجليات في الطبيعة، فإن لها تجليات أخرى في تاريخ البشر، ولعل هذه هي علاقة السياق بين الحديث عن الطبيعة وبيان جانب من قصة داود وسليمان عليهما السلام.
وهناك صلة أخرى بين الموضوعين في السياق هي: أن الآية السابقة تنذر الكفار بينما تبشر هذه الآية المؤمنين من خلال قصة داود الذي آتاه ربنا فضلا حين أناب إليه.
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا وهذا الفضل مظهر لاسم الحمد الإلهي، حيث خص الله نبيه داود بأمور من دون الآخرين، وكانت هذه الأمور من أركان وخصائص الحضارة التي بناها عليه السلام.
وفي الآيات ما يلقي الضوء على بعض معالم العمران في عهد النبيين داوود وسليمان عليهما السلام؛ فاستثمار وتسخير الطبيعة، والمعرفة والقوة البشرية اللازمين لذلك، والقوة التي توفر الأمن والمنعة، وشبكة الاتصال والتواصل. وفي سور أخرى بينت معالم الحكم بالحق وهنا أوردته في إطار الشكر.
قال تعالى يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ فكلاهما كان خاضعا لداود، وسخر له وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وكان لتسخير الحديد هدف يشير له القرآن في الآية اللاحقة
[١١] أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ لقد أمر الله داود عليه السلام بصناعة الدروع السابغة (أي الواسعة) حتى يلبسها المقاتل من غير تعب، كما أمره بالإتقان في حياكتها، حتى تكون حلقاتها منتظمة ومتساوية تؤدي كل واحدة دورها المحدد، و لعل الآية تشير إلى ضرورة الإتقان في العمل، ولا سيما في الصناعة، ولكن الصناعة المتقنة كأي تقدم حضاري أخر يجب أن تكون بهدف حكيم هو العمل الصالح وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ونستوحي من الآية أن الله الذي سخر لداود كل هذه الأمور، لم يرتض منه أن تكون بديلا عن السعي والعمل الشخصي، لأن قيمة الإنسان تكمن في سعيه وعمله.