من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - ولا يأتون البأس إلا قليلا
والمجتمع الذي يترك المنافقين أحرارا، يستغلون طاقات الأمة وانتصاراتها، فينزون على السلطة على غفلة من أبنائها، ولعدم وعيهم، فإنه لن يدوم طويلا في مسيرته الصاعدة، وأبناؤه يعلمون أن أعمالهم تنتهي إلى جيوب الانتهازيين والمنافقين.
والقرآن الكريم يفضح- في أكثر من سورة- المنافقين الذين يبحثون عن المكاسب والمغانم، دون أن يقدموا من أنفسهم شيئا للحصول عليها، فهم في الأزمات والحروب يتهربون من المسؤولية، ولكنهم يبرزون ويظهرون أنفسهم أبطالا حين المغانم والانتصارات.
بينات من الآيات
[١٦] كانت حرب الأحزاب من الأزمات الصعبة التي مرت بها الأمة الإسلامية، وكان من إيجابياتها- كما سائر الأزمات- أنها كشفت واقع فريق المنافقين، والقرآن لا يذكر تفاصيل هذه الحادثة في هذه السورة، إنما يذكر ببعض النقاط الحساسة منها.
فيؤكد لنا بأن الإنسان لا يستطيع أن يدعي القدرة على الخلاص من الموت أو القتل بالفرار، أو أن ذلك ينفعه. كلا .. فهو قد يبعده عن ذلك لحظات وأياما، ولكنه لن يكون سببا للبقاء والاستمرار، فما يدفعه المجتمع وحتى الإنسان الفرد عن الهزيمة يفوق ما يدفعه حين الاستقامة والاستمرار أضعافا مضاعفة، فهو بالفرار من المعركة يعطي العدو زخما من القوة والثقة بالنفس.
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا بينما تهب الشجاعة للإنسان عمرا طويلا، لأن الشجاع يقاوم الأعداء ومن ثم يضمن استمراره.
[١٧] و بالإضافة إلى أن الفرار من الموت لا يجدي نفعا، إذ إنه يدركهم أنى كانوا، بالإضافة إلى ذلك فإنه يغضب الرب، وهم لا يملكون من دونه وليا ولا نصيرا، فإذا أراد بهم سوءاً فلا عاصم لهم منه يمنعهم من عذابه، وإذا أراد بهم رحمة فلا أحد قادر على منع رحمته عنهم.
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً إن الهزيمة أمام الأعداء مظهر من مظاهر ضعف الإيمان بالله وتعلق القلب بالشركاء من دونه، وهكذا ينسف القرآن هذه الفكرة بقوله وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً
[١٨- ١٩] ثم يذكرنا القرآن بجانب من صفات المنافقين وهي
أولًا: أنهم يبحثون عن أمثالهم، أو لا أقل مثلهم عمليًّا، فإذا بهم يثبطون الناس عن