من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٤ - صورتان لحضارتين
[١٩] لكن هؤلاء رفضوا هذه الخيرات والمعطيات، التي تمخضت عنها الحضارة الجديدة، وبدؤوا يحنون إلى الماضي، حيث القبلية والتفرقة الحاكمة، وحيث الروح الفردية المستبدة.
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ولعلهم في هذا الجانب وبهذه الروح يشبهون بني إسرائيل، حيث تقدمت بهم الحضارة حتى صار أكلهم يتنزل عليهم من السماء منا وسلوى، لكنهم رفضوه، وأخذهم الحنين إلى القديم من البقل والعدس والفوم، فذمهم الله على هذه النفسية السلبية المتخلفة وقال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ [البقرة: ٦١]. ويصف الله هذه الثقافة بأنها صورة للظلم الذي يعود على صاحبه بالضرر والفساد.
وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ومضربا للمثل في خاتمة السوء، وتهدينا الآية إلى نهاية هؤلاء، حيث تحولوا من الواقع المتحضر القائم على الأرض، إلى مجرد أحدوثة على ألسنة الناس، والقرآن الكريم يشير إلى أن حضارتهم إنما تبددت بسبب الروح الفردية التي نخرت كيانها فيقول وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ حيث تحولت النزعة الأنانية إلى واقعها المر، ولا ريب أن الحضارة تولد بالجهود الجماعية المنظمة، حيث تتركز الجهود، وحين تنعدم الروح الجماعية، والتفكير المشترك، والسعي الموحد، تؤول إلى الدمار.
وفي تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام قال
(هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وأَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وأَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ فَكَفَرُوا بِأَنْعُمِ الله وغَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَأَرْسَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ فَغَرَّقَ قُرَاهُمْ وأَخْرَبَ دِيَارَهُمْ وأَذْهَبَ بِأَمْوَالِهِمْ)
[١]. وقصص هذه الحضارات الأربع تنطوي على كثير من الدروس والعبر التي تنفع البشرية في مسيرتها الحضارية الصاعدة، والبشرية أحوج ما تكون وهي تنشد الرقي أن تدرس تجارب الحضارات الأخرى، وبالذات الماضية منها، لأنها مرت بدورة حضارية كاملة.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ إنها ليست قصصا للتسلية واللهو، بل تحمل مشاهدها الدروس والعبر، وحتى يستوعب الإنسان الفرد أو الأمة ذلك عقليا وأهم منه عمليا لابد أن تتوفر فيه صفات معينة: أبرزها الصبر الدائم، والشكر الكثير، لأن الصبر آية سكينة النفس، وحصانة العقل، وبعد النظر، ومعرفة عواقب الأمور، وكل تلك الصفات ضرورية لوعي الحقائق، ومعرفة غيب الأحداث، وماورائيات الظواهر التاريخية.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٧٤.