من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٣ - صورتان لحضارتين
اختلف المفسرون في معنى الخمط والأثل، إلا إنهما كما يبدو شجرتان بريتان شوكيتان، قد تكون إحداهما الأراك والأخرى السمر، وكذلك السدر من الأشجار التي تقاوم الجفاف.
[١٧] و يبين الله السبب الرئيسي الذي يقف خلف هذه النهاية المدمرة ألا وهو الكفران بالنعمة ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا بالله وبأنعمه، وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ.
ومن هذا المقطع نستفيد حقيقتين: فمن جانب هناك إشارة إلى أن الجزاء يشمل كل كفور، دون أن يختص بهذه الجماعة التي يذكرها القرآن، ومن جانب آخر يوضح تعبير الْكَفُورَ بأن الرب يعطي فرصة للعباد عند الخطيئة، المرة بعد الأخرى رحمة بهم، فهو لا يأخذهم بالعذاب في بادئ الأمر، إنما بعد الإصرار على الذنب، وصيغة المبالغة الْكَفُورَ تدل على تكرار الكفر بالنعمة.
هكذا بادت الحضارة الزراعية التي انتشرت ربوعها على أطراف شبه الجزيرة، التي لم يكن الرجل يحتاج وهو يمشي بين أغصانها المتدلية بأصناف الثمر لكي يقطف منها ما يشاء، إلا للقليل من الجهد، وحلت محلها حياة قاسية.
[١٨] ثم ينتقل بنا السياق إلى تجربة حضارية ثالثة، من واقع القرى التي امتدت من اليمن حتى مكة والمدينة، والتي تميزت بالظهور وهو الارتفاع أو القوة أو الشهرة، وبالنظام والامتداد، وأخيرا بالأمن الذي يعتبر من أعظم نعم الله على الإنسان.
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ أي بين أهل سبأ الذين مر الحديث عنهم في الآيات السابقة، وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وهي مكة وما حولها؛ قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.
ولعل هذه إشارة إلى النظام، حيث جعل الله السير فيها مقدورا، ويعتبر ذلك ميزة لحضارة هذه القرى، لأنها كانت تعيش في منطقة جبلية يصعب السير فيها، وربما كانت جبالها ووديانها تبتلع القوافل الضائعة.
سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ وهذه العبارة توحي لنا بمعنيين
الأول: سعة الحضارة، إذ يسير فيها الإنسان أياما وليالي، فهي إذن ممتدة شاسعة المساحة.
الثاني: الأمن الذي كانت تتمتع به هذه القرى، والجدير بالذكر أن الأمن في ذلك الزمان وفي هذه المنطقة التي يحدثنا عنها القرآن بالذات كان أمرا نادرا بسبب عصابات قطاع الطرق، والوحوش.