من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٥ - هل يجزون إلا ما كانوا يعملون
الرب أنهم سوف يندمون يوم الجزاء الأكبر، حين يرون العذاب، وتوضع الأغلال في أعناق الذين كفروا جزاء بما كانوا يعملون، وهنالك لا ينفعهم التبرير الذي يتوسلون به اليوم حين يلقي المستضعفون (التابعون) المسؤولية على المستكبرين (المتبوعين).
ويبين السياق فساد هذا التبرير عندما يصور الحوار الساخن بينهما، حين يرجع بعضهم إلى بعض القول فيقول المستضعفون: أنتم كنتم السبب في ضلالتنا، فيتبرأ من ذلك المستكبرون، ويقولون: إنكم كنتم مجرمين بأنفسكم، ولا يسع المستضعفين آنئذ إلا إلقاء اللوم على الزمن فيقولون: بل مكر الليل والنهار، إذ يأمروننا بالكفر.
بينات من الآيات
[٢٨] إن ما يميز الرسول صلى الله عليه واله عن سائر الأنبياء أنه بعث لعامة الناس، إذ لم تختص دعوته بجماعة دون أخرى، ولا بقوم دون آخر، وهذا بذاته دليل على صدق رسالته، ذلك أن الإنسان مهما حاول التجرد فإنه يبقى ابن بيئته التي تعكس عليه آثاره في واقع الثقافة، كما تعكس عليه الآثار الطبيعية. من هنا حين يأتي الرسول برسالة تتجاوز القومية، والعنصرية، والإقليمية، نظريا وعمليا، فان ذلك يكون دليلا على أن رسالته إلهية.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ويلاحظ هنا تقديم البشارة على الإنذار، بينما نجد العكس في بعض الآيات، ولعل الحكمة أنه إذا كان الحديث عن هداية الإنسان استلزم تقديم الإنذار لأنه الأقوى أثرا في البشر، بينما إذا جرى الحديث عن شخص الرسول تقدمت البشارة للدلالة على أنه بعث رحمة للعالمين.
والسؤال: من الذي تسوقه البشارة إلى العمل الصالح، ويمنعه الإنذار عن الذنب؟.
إنه العالم. أوليس العلم يجعل الإنسان يؤمن بالحقائق؟! لهذا جاءت آيات كثيرة تؤكد على علاقة العلم بالإيمان، وتكميل أحدهما للآخر، ومن أبرزها قوله تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. وإنما لا يستجيب غالبية الناس للرسل ببشارتهم وإنذارهم لجهلهم، فإذا رأيت أغلب الناس كفارا فلا تستوحش من ذلك، ولا تظن بأن ذلك دليل على ضعف أدلة الرسالة، بل على أن الإيمان- كما العلم- درجة رفيعة لا يبلغها إلا الصفوة من الناس وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فهم لا يؤمنون.
[٢٩] وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ويتشبث الإنسان بتبرير فاسد آخر حين يتساءل: إذن أين الجزاء؟! لماذا يتأخر عن المجرمين؟! إذا كنتم صادقين في أن