من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٣ - قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد
فهم قريبون من أخذ الله.
[٥٢] وفي اللحظة التي ينزل فيها عذاب الله يرى الكفار عين الحقيقة، وأنه لا خيار سوى الإيمان، وكان ينبغي لهم أن يؤمنوا بذلك، في يوم الحرية والاختيار التي يكون عليها الثواب والعقاب، لأنها تلتقي وحكمة الله من خلق الدنيا.
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ لما رأوا العذاب أو نصر المؤمنين، ولكن هيهات فالإيمان بعيد عنهم، لأنه قمة سامية لا يصلها الإنسان إلا بالنية الصادقة والعمل الصالح، بل والسعي الحثيث والجهاد الدؤوب.
وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فليس الإيمان كلمة يقولها الواحد في اللحظة الأخيرة من عمره، وكيف يعيد الإنسان دورة الزمن إلى الوراء، فيشتغل إلى أيام حريته التي قصر فيها، كلا .. إنه يشبه التناوش من مكان بعيد، كمن يقف على الأرض ويريد أن يتناول بيده ما على الذرى السامقة.
وفي الحديث قال أبو حمزة الثمالي: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله عز وجل وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قال عليه السلام
إِنَّهُمْ طَلَبُوا الهُدَى مِنْ حَيْثُ لَا يُنَالُ وَقَدْ كَانَ لَهُمْ مَبْذُولًا مِنْ حَيْثُ يُنَال) [١].
[٥٣] لقد كفروا بالوحي في الدنيا وفاتت فرصتهم وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فهم يتكلمون على غير بصيرة، وبعيدا عن الواقع، انهم يتخرصون بغير علم، وليست لديهم معرفة تتيح لهم الحكم الصائب، وإنما هو أمر غائب عنهم وهم بعيدون عن الإحاطة به فإذن كلامهم غير علمي لا يستند إلى منهج علمي. بينما يقذف الله بالحق وهو يعلم بتفاصيل كل شيء، وهذا ما يجعل الوحي صادقا لا نقص فيه، بينما كلامهم باطل في باطل.
[٥٤] ومن الشواهد على أن الباطل سراب لا ينتهي إلى شيء، أن من اتبعه كان يبحث من ورائه عن الملذات والشهوات، ولكن الموت أو نصر المؤمنين، الذي يقضي به الله عليهم يحول بينهم وبين الوصول إليها وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ وهذه سنة جرت على الأجيال الماضية من أمثالهم، لكنهم لم يستفيدوا ممن سبقهم فحلت بهم الندامة، ولفهم الأسف.
كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ويبين الله السبب المباشر لهذه النتيجة السيئة، ألا وهو
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٥٦، بحار الأنوار: ج ٥٢، ص ١٨٧.