من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد
وعبر منهج حكيم، وبهدف شريف هو التوصل إلى الحقيقة، ولهذا أكد القرآن أن يكون القيام لله وليس لهدف آخر، إذ من الممكن أن يطلب العلم من أجل المصالح الشهوانية المادية كالشهرة والمال فلا يبلغ الحقيقة، بينما إذا أخلص الإنسان نيته لله عند بحثه عن الحق هداه الله إليه، لأن من شروط التفكير السليم الهدف السليم منه، ولعل هذا هو سبب تقديم النية المخلصة (القيام لله) على التفكير.
بعد أن نسف السياق قواعد الجحود ورفع عن الأبصار غشاوات العناد والمعاجزة ثم أمرهم بالتفكر بنية صادقة، ذكرهم بشواهد صدق الرسول صلى الله عليه واله ومن أبرزها: إخلاصه في دعوته، حيث لا يطمع في أجر، اللهم إلا أجرا يعود إليهم نفعه، أوليس الكاذب أو الساحر يقترف جريمة التضليل بهدف مادي؟! وها هو الرسول لا يبحث عن أجر مادي فهو إذا صادق.
[٤٧] ولأن التفكير السليم سوف يقود الإنسان للإيمان بالله، والالتزام بالدين، الأمر الذي يكلف شيئا من التضحية كضريبة لتحمل الرسالة، يؤكد القرآن أن هذه التضحيات تخرج من يد الناس لتعود إليهم بالنفع في الدنيا والآخرة.
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وليس للرسول، لأنه يعمل لله وليس للمصلحة، وهذا من الدلائل على صدق الأنبياء في دعوتهم.
إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يلحظ كل جهد وحركة في سبيله، ليضيف ذلك إلى رصيد الرساليين، ويثيبهم على عملهم بالتوفيق والنصر في الدنيا، وبالجنة والرضوان في الآخرة.
[٤٨] ثم تهدينا الآيات إلى إحدى خصائص الأنبياء في صراعهم مع أنصار الباطل وهي شهادة الله على صدق رسالاتهم، لأنها حق، والله يؤيد الحق، ولمعرفة الرسل بهذه الحقيقة فإنهم يتوكلون على ربهم، ويخوضون غمار التحديات دون أن يخشوا أحدا أو يخافوا فشلا.
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ على كيان الباطل فيهدمه، والله .. عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
ولأن الرسول يوحى إليه من لدن علام الغيوب، فهو يبصر ما لا يراه الآخرون، ويتدرج من نصر إلى نصر حتى يفتح الله على يديه البلاد، وهذا أقوى شاهد على صدقه، وأنه يدعو إلى الله الذي هو على كل شيء شهيد، ولعل خاتمة الآية السابقة كانت تمهيدا لبيان هذه الحقيقة وهي شهادة الله على صدق رسالته.