من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٠ - قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد
أشد منهم قوة، وأكثر جمعا، ولكن الله دمرهم فهل يقدرون على تجنب هذا المصير.
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ من القوة فَكَذَّبُوا رُسُلِي غرورا بما يملكون من طاقات وإمكانات وجهلا بهما، ولكن هل منعت قوتهم عنهم العذاب؟! كلا .. إنما تعرضوا لنقمات الله الجبار، والقرآن يوجهنا لدراسة تاريخ تلك الأمم ومصائرهم للاعتبار بها فيقول فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ والنكير: السوء الذي ينكره الإنسان ولا يريده، إشارة إلى فظاعة الخطب والدمار اللاحق بهم.
[٤٦] وبعد أن نسف القرآن قواعد الكفر، وأبطل أعذار رفض الرسالة من اتباع الآباء، أو الغرور بالقوة، دعاهم إلى التفكر. ويبدو جليا من الآية أن التفكير العقلاني الجاد والمتحرر من الحجب هو مفتاح الهداية.
وهذا هو المنهج السليم في الدعوة: أن ترفع في البدء الحجب التي تمنع الرؤية كالتواطئ على الضلالة، ثم تخاطب الوجدان، وتستثير العقل بالدعوة إلى التفكر.
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى بصورة جماعية- اثنان اثنان وأكثر- أو بصورة فردية.
ويجب أن يكون هذا القيام الجاد بهدف التفكر لمعرفة الحقيقة التي تخالف أراجيف الكبراء والمترفين حول الرسول صلى الله عليه واله ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ وأول ما يذكرهم به بعد استثارة عقولهم هو أن صاحبهم الذي عرفوه طوال أربعين سنة ليس بمجنون، وكيف يكون به جنة والحكمة تتفجر من جوانبه، وتشهد مواقفه على كمال عقله، وفصل منطقه؟!.
فهو إنما يتحدث لكم عن حقيقة لو تركتموها أصابتكم نقمة، وهذا أدعى إلى التفكر، وأقوى في إثارة العقل.
وإذا كان الله قد رفع عن أمة النبي محمد صلى الله عليه واله العذاب المادي كالصواعق والريح كرامة له، فإن سنته في تعذيب الجاحدين جارية في صور أخرى كالتخلف والتبعية والحروب، فما تعيشه الأمة الإسلامية إلى اليوم إنما بسبب الأفكار والعادات المتخلفة التي تعارض رسالة الله.
ولعل هذه الآية تنسحب إلى كل الدعوات الإصلاحية، وفي كل عصر، فليس من الصحيح أن يرفض المجتمع أو يقبل أية دعوة بصورة ارتجالية سريعة، فلعل ما يرفضه يكون صحيحا، ولعل ما يقبله يكون خطأ، إنما يجب عليه التفكر الشامل عميقا، في ظروف مناسبة،