من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٨ - ولا يأتون البأس إلا قليلا
ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عله واله خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عله واله وقالوا إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم فقال لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فديننا خير أم دين محمد قالوا بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منهم فهم الذين أنزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا إلى قوله وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [النساء: ٥١- ٥٥]، فسر قريشا ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك واستعدوا له ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عله واله وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه صلى الله عله واله وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في فزارة والحارث بن عوف في بني مرة ومسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان وكتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عله واله ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عله واله وهو يومئذ حر قال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله صلى الله عله واله والمسلمون حتى أحكموه.
فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال حدثني أبي عن أبيه قال خط رسول الله صلى الله عله واله الخندق عام الأحزاب أربعين ذراعا بين عشرة فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلًا قوياً فقالت الأنصار سلمان منا وقالت المهاجرون سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عله واله سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: فكنت أنا، وسلمان، وحذيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرن، وستة من الأنصار، نقطع أربعين ذراعا. فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى، أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة فكسرت حديدنا، وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عله واله فأخبره عن الصخرة، فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه- وهذا مما يدل على الانضباط- فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عله واله وهو مضروب عليه قبة، فقال: يا رسول الله! خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدورة، فكسرت حديدنا، وشقت علينا، حتى ما يحك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فهبط رسول الله صلى الله عله واله مع سلمان في الخندق، وأخذ