من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٧ - هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون
لا يمكن رده أو تأجيله، فإنما هو صيحة واحدة لا ثانية لها، لأنها القاضية، وهي تعمهم بالأخذ بغتة في وقت تراه يخوضون في جدلياتهم التي لا تغني شيئا.
والإنسان يتمنى- عادة- لو يغير الحقائق بالجدل، زاعما أنه لو نفى شيئا فإنه ينتفي أو أنه لو أسكت صاحب الحق فإن الحق يزول، كلا .. فحتى في حالة جدالهم وخصامهم تأخذهم الصيحة.
[٥٠] والمباغتة سريعة إلى درجة أنها تمنعهم من أن يخلفوا وصيتهم، بالرغم من أنهم لا يعودون إلى أهلهم فهم أحوج ما يكونون إلى التوصية فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً بأي شكل كانت التوصية قولا أو إشارة، وإذ لا يستطيعون حتى التوصية وهي أسهل الأشياء، وأشدها ضرورة، فهم لا يستطيعون- بالطبع- إصلاح ما أفسدوه من واقعهم!
وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ فهم ليسوا على سفر سرعان ما يعودون منه حتى لا يحتاجوا إلى وصية.
ويبدو أن الآيات تصور مشهد العذاب الدنيوي المتمثل في الهلاك بالصيحة، مثل ما أصاب الذين كذبوا بالمرسلين الثلاثة في القصة الماضية.
وقال البعض: (إنها تصور قيام الساعة .. والساعة أدهى وأمر)، وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه واله
(تَقُومُ السَاعَةُ وَالرَجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُما يَتبايَعانِه فَما يَطْويانِه حَتَّى تَقُومَ وَالرَجُلُ يَرْفَعُ أَكْلَتهُ إِلى فِيهِ فَما تَصِلُ إِلى فِيهِ حَتَّى تَقومَ وَالرَجُلُ يَليطُ حَوْضَهُ [١] لِيسْقِي ماشِيتَه فَما يَسْقِيها حَتَّى تَقُوم) [٢].
ولعل الحديث القرآني يشمل الجزاء بصفة عامة في الدنيا بعذاب الاستئصال أو في الآخرة عند قيام الساعة.
[٥١] ويمكث الكفار في قبورهم ما شاء الله حتى ينفخ في الصور الملك الكريم إسرافيل، وبمجرد النفخ تراهم يسرعون إلى ربهم حيث وضع الميزان العادل.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ونجد في بعض الآيات أنهم عند النفخ قيام ينظرون. فهم قيام في لحظة، ولكن سرعان ما يتحركون حيث يريد الله.
وذكر الراغب في مفرداته إن: (النسل في الأصل الانفصال عن الشيء، ... وإنما سمي
[١] يسوي حوضه بالطين حتى لا يتسرب منه الماء.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٣١٩.