من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٥ - هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون
الأرض تم بأمر الله، وأن خصوبة الأرض كانت بأمر الله، وحتى توفر المناخ المناسب لنمو الصناعة كان بإذن الله؟.
ولو تدبر كل غني في الأسباب الخفية لنمو ثروته لرأى يد الغيب وراءها، فأولى بهم الإنفاق مما رزقهم الله، مادام الله يأمر به، وهو الذي استخلفهم في ما رزقهم ليبتليهم به.
ألا يرون أن كل شيء في عالم الإنسان يوحي بأنه جاء لهذه الدنيا لكي يمتحن؟. فقد جعل الله امتحان الفقير بالغني ليرى هل يصبر، وامتحان الغني بالفقير ليعلم من ينفق ومن يبخل وافتتن العالم بالجاهل وأمره بأن يعلمه كما ابتلى الجاهل بالعالم وأمره بأن يتعلم منه، وجعل الحكام فتنة للناس وافتتن الناس بحكامهم وقال عز من قائل وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠].
ولكن الكفار زعموا أن غناهم وعدم الفقراء أمر حتمي من عند الله.
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا وهكذا خاطب الكفار الذين آمنوا لأنهم الذين أمروهم بالإنفاق، ولأنهم المؤمنون بالله، فكان الأحرى بهم- حسب زعمهم- أن يؤمنوا بالقدر، فقالوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ولم يقولوا أننفق، لأنهم منعوا عن الفقراء حتى الطعام الذي هو حق كل حي، فكيف بالإنسان الكريم عند ربه.
انظر إلى مدى إمعانهم في البخل، والإعراض عن التقوى؟. بلى، الله يطعم من يشاء من رزقه الواسع، ولكنه جعل رزق هؤلاء الفقراء على أيديكم، لينظر كيف تعملون، وهو القائل- حسب الحديث القدسي-
(المَالُ مَالِي وَالفُقراءُ عِيالِي وَالأَغْنِياءُ وُكَلائِي فَمَنْ بَخِلَ بِمَالِي عَلَى عِيالِي أُدْخِلهُ النارَ وَلا أُبَالِي) [١].
ثم إن ربنا سبحانه أكرم بني آدم فجعلهم أحرارا في الدنيا، ووفر في الأرض ما يزيد على رزقهم، إلا إن كسل البعض عن السعي بأفكار جاهلية، واستئثار البعض برزق الآخرين تحت مظلة من القوانين الجائرة، هما السببان الرئيسيان لانتشار الفقر. ومن أساليب محاربة الفقر نبذ الثقافة الجاهلية، وإصلاح الأنظمة الجائرة. والإنفاق واحد من أهم السبل لمحاربة الفقر لأنه علاج فوري، ووسيلة مستقبلية أيضا لتوزيع الثروة وتدويرها وتحريك الطاقات بها.
ولكن الكفار جمدوا الثروة، وزعموا أنها حقهم الإلهي بل قالوا لمن أمرهم بالإنفاق إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لأنكم تريدون تغيير سنن الله، وجعل الفقراء أغنياء، وهم قد
[١] جامع الأخبار: ص ٨٠.