من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٩ - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
بصيغة المفرد المؤنث في وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَ و لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَ، وبعد الخطاب بالجمع المؤنث تحول إلى الصيغة العامة وجمع المذكر.
ولعل الحكمة في الانتقال من المفرد المؤنث إلى الجمع المؤنث: أن السياق أراد التأكيد على أن القيم العامة والواضحة كقيمة التقوى قائمة، وتشمل الجميع حتى نساء النبي صلى الله عليه واله فلا تصبح المرأة من أهل الجنة بمجرد انتمائها للنبي، بل لابد أن تكون هي نفسها محسنة وصالحة أيضا. فالخطاب بالوصايا عام شامل، لكنه في تأسيس التفاضل والجزاء كان فرديا لا يرعى الانتساب بل العمل الصالح.
أما التحول من خطاب المؤنث إلى المذكر فهو إشارة إلى تبدل في المُخاطَب تبينه الروايات التي نوردها لاحقا، فكأنه جملة اعتراضية بين ما سبق من الآية وما قبلها وبين الآية التالية لعودة الخطاب للمؤنث وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ..، ولعل الحكمة في سوقها جملة اعتراضية هو بيان المقابلة لتأكيد استحقاق البيت الطاهر مقام تمثيل الرسولصلى الله عليه واله، وربما أيضا أن الحكمة المتمثلة في تنقية ما حول الرسول من كل شائبة التي مرّ بيانها سابقا هي هنا مطلوبة لإمتداده صلى الله عليه واله الطاهر أيضا.
فإذن عظة الأيات؛ أن الله سبحانه يذهب الرجس عن أهل البيت إذا كانوا ممن انتمى إلى الرسالة قلبا وقالبا، أما من انتمى ظاهرا بنسبه أو بسبب دون العمل فهو غير طاهر لأن ما يطهر الإنسان هو الرسالة والعمل الصالح بما يغيرانه من سجايا الإنسان الباطنة والظاهرة فدخولك في هذا البيت أو خروجك منه لا يؤثر إلا بقدر ما تستوعب من قيم هذا البيت ورسالته وسلوكه أو بالعكس، من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
(وَلَايَتِي لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وِلَادَتِي مِنْهُ لِأَنَّ وَلَايَتِي لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَرْضٌ وَ وِلَادَتِي مِنْهُ فَضْل
..) [١].
وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ولهذه الآية علاقتان وثيقتان بما قبلها
الأولى: علاقتها الخاصة بقوله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فالسورة كلها تدور حول قضية القيادة الرسالية، المتجسدة أيام الرسول صلى الله عليه واله في شخصه، ومن بعده في من يمثل امتدادا حقيقيا لقيمه وقيادته، لاقتدائه به وهم أهل بيته الذين طهرهم الله عن الرجس، قال الإمام علي عليه السلام
(أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ العَرَبِ وكَسَرْتُ
[١] بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ٢٩٩.