من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - الملائكة رسل الله
وقد يفتتن الإنسان بحمد ما سواه، لأنه تسبب في وصول نعمة إليه، ويغفل عن حمد ربه الذي وهب له الكينونة الأولى، ولا تزال نعمه تترى عليه بما لا يحصيها العادون.
أما الذاكرون ربهم فيقولون: الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها، والحمد لله كما هو أهله، و يستحقه حمدا كثيرا كما يحب ربنا ويرضى.
وأول ما نحمد ربنا عليه أنه خلقنا، وخلق السماوات والأرض.
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الفطر في اللغة هو الانشقاق، وقد قال ربنا في سورة (الملك) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣].
وفطر الله السماوات والأرض من العدم، وأنشأهما من غير مثال يحتذي به، أو خلق يخلق على شاكلته. لقد انشق جدار الظلام الأبدي بإذن الله عن هذه الخلائق التي لا تحصى ولا تحد. ولعل الكلمة توحي بمعنى الإبداع، والإنشاء، والتكون من دون أصل سابق، أو مادة قديمة، حسب ما ذكر بعض المفسرين.
وقد جاء في هذا المعنى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال
(أَنْشَأَ الخَلْقَ إِنْشَاءً وابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا ولَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا ولَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا ولَا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا أَحَالَ الأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا ولَأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وغَرَّزَ غَرَائِزَهَا وأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وانْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وأَحْنَائِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ وشَقَّ الأَرْجَاءِ وسَكَائِكَ الهَوَاءِ) [١].
وربما توحي الكلمة أيضا: بأن الله فتق السماوات والأرض بعد أن كانتا رتقا، أي كانت كتلة متراصة، فأحدث فيها انفجاراً عظيماً بهيبته، يعبر عنه- سبحانه- بقوله ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١].
فكانت السماوات والأرض، ولعل الآية التالية تشير إلى ذلك أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا [الأنبياء: ٣٠].
وتقول بعض النظريات العلمية الحديثة: أن الكون كان سديما [٢]، فتكونت منه الشموس بما لا يعلمون.
[١] نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض.
[٢] السديم: هو الغبار الكثيف.