من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
والواقع، أن الشكر و الصبر يشعان من مشكاة واحدة هي التسليم لله ولقضائه، والإيمان بأنه الواهب المتفضل المنان، بيد أن الشكر هو تجل لهذه الحالة عند النعمة، والصبر تجل لها عند النقمة، لذلك جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام
(العَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثٍ بَلَاءٍ وقَضَاءٍ ونِعْمَةٍ فَعَلَيْهِ لِلْبَلَاءِ مِنَ الله الصَّبْرُ فَرِيضَةً وعَلَيْهِ لِلْقَضَاءِ مِنَ الله التَّسْلِيمُ فَرِيضَةً وعَلَيْهِ لِلنِّعْمَةِ مِنَ الله الشُّكْرُ فَرِيضَةً) [١].
ولعل أعظم ما في الشكر هو تنمية روح الرضا في النفس بعيدا عن الغرور والفخر والكبرياء، والنفس الراضية تستدر ثواب الله، وتسعد في الدنيا.
يروي الإمام الصادق عليه السلام عن الرسول صلى الله عله واله
(الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ المُحْتَسِبِ والمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ المُبْتَلَى الصَّابِرِ والمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ المَحْرُومِ القَانِعِ) [٢].
ولعل الحكمة في ذلك أن الشكر يزيد في الإيمان بالله، وبأنه المتفضل المنان، ويمنع عن صاحبه الغرور، ويدفعه نحو الالتزام بواجبات النعمة.
هذا عن ثواب الله أما عن سعادة القلب فإن أعظم ما في النعم تحقيق طموحات النفس، أما لذة الجسد فإنها تتلاشى بسرعة وهي لا تمنح البشر سعادة. أرأيت لو حكم بالإعدام على شخص ثم أوتي أفضل أنواع الطعام، وهيئت له اللذة الجنسية مع أجمل بنات العالم، فهل يهنئ بذلك؟! كلا ..
كذلك لو كان القلق النفسي يؤرق الفرد لا يهنئ بلذة جسدية مهما كانت عارمة ومتنوعة، ذلك أن المهم هو سعادة القلب ورضاه.
فمن كان ينتظر مليون دينار ربحا إذا حصل على نصف مليون تراه آسفا، أما إذا لم ينتظر شخص ربحا فربح نصف دينار فإنه يعيش الفرح، كذلك لو تمنى شخص الرئاسة في بلد فقدر له منصب نائب الرئيس لم يتحسس بالسعادة بقدر من لم يطمع في منصب صغير فحصل عليه.
وهكذا الشاكر لأنعم الله يتحسس بالنعم، ويعرف أنه لم يكن يستحقها إلا بفضل الله، فهو كمن لا ينتظر أي مكسب بل ينتظر خسارة فيأتيه الربح، كأنك تراه يسعد به أنى كان ضئيلا.
[١] وسائل الشيعة: ج ٣، ص ٢٦٠.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٩٤.