من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٧ - محورية القيادة الرسالية في المجتمع
وفي الشريعة الإسلامية تتركز جميع هذه القوى في القيادة الرسالية العليا وهو النبي صلى الله عليه واله أو من يمثل امتدادا حقيقيا له. فهي المرجع التشريعي والقضائي الأعلى، وإذا قضى النبي أو من يكون خليفة حقيقيا له لا يحق لأحد الاعتراض عليه.
ويضرب لنا القرآن مثلا من واقع الأمة الإسلامية على هذه الحقيقة، حيث عارض الإسلام العادات الجاهلية الغاصبة حرمة الزواج من مطلقة الابن بالتبني، ووضحت الآيات بأن ابن الإنسان هو الذي ينسل من صلبه، أما الآخر الذي يلتقطه ويتبناه فلن يصبح أبنا له أبدا، لأن الأبوة كما البنوة وعموم العلاقات الاجتماعية المشابهة قضية طبيعية واقعية وليست محض اعتبارية.
وكان هذا القضاء الجديد يومذاك يحتاج إلى من يملك الجرأة والإقدام، وهنا تبرز وبصورة واضحة القدوة في الأمة، فإذا بالرسول صلى الله عليه واله يتزوج من مطلقة زيد بن حارثة وهو ابنه بالتبني، وكان النبي قد خرق عادتين جاهليتين في هذه الحادثة، الأولى ما تقدمت الإشارة إليها، والثانية أنه زوج زينب بنت جحش- ذات الحسب والنسب الشريف- من رجل أقل نسبا، تأكيدا لقيمة التقوى، ونسفا للقيم الجاهلية المادية.
ورفعا للحرج في مثل هذه الحوادث عن المسلمين، ولأن خرق العرف الاجتماعي سوف يسبب شيئا من الإحراج للرسول، وربما ألوانا من الضغط عليه من قبل الساذجين والمنافقين، فقد حذره الله من الخضوع للناس على حساب الحق، مؤكدا بأن أهم صفات المبلغ للرسالة هي الخشية من الله وحده، والتوكل عليه.
بينات من الآيات
[٣٦] المؤمن حقا هو الذي يسلم لقضاء الله ورسوله تسليما مطلقا في جميع جوانب الحياة، ذلك أن كلمة الله، والرسول، والقيادة التي تمثل امتدادا صحيحا له، يجب أن تكون هي الحاسمة في المجتمع الإسلامي وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
والقرآن حينما يوجه الخطاب بصيغة المذكر فإنه يشمل النصف الآخر للمجتمع بصورة طبيعية، ولكنه هنا يخص النساء أيضا وَلا مُؤْمِنَةٍ، لأن الكثير من الأحكام- وبالذات في باب القضاء- ترتبط بالنساء، ولابد أن يخضعن كما الرجال لقضاء الله والرسول خضوعا حقيقيا.