من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ بقدرته، فيحيي الأرض بعد موتها. إن قدرته أيضا محيطة بالبشر كما علمه.
وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ حيث تنعقد نطفة البشر على أسس بيولوجية بالغة الدقة، وخاضعة لعوامل متشابكة لا يعلمها إلا الله، ولا يقدر أحد على التحكم بتفاصيلها أبدا، وهنالك ترى أسس شخصية ظاهرة وباطنة، جميل أم قبيح، طويل أم قصير، قوي أم ضعيف، حاد الطبع أم لين، وما هي توجهاته العلمية والأدبية والفنية، وما هي مواهبه، وأهم من كل ذلك هل في طينته نزعة شريرة أم لا.
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن الآية
(فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ ومَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً أَوْ فِي الجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً فَهَذَا عِلْمُ الغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ) [١].
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً لأن العوامل التي تؤثر في سلوك الإنسان لا تحصى عددا، فكيف يتحكم فيها بصورة جازمة، بلى؛ هنالك تخطيط وتقدير واطمئنان نسبي، ولكن علم الغد خاص بالرب.
وحين لا يعلم البشر ما يفعله غدا فبالتأكيد لا يعلم ما يفعله الآخرون، وما قد يقع مستقبلا، وأفضل الخبراء عاجز عن معرفة المستقبل تفصيلا. مما يدل على أن المدبر للحياة ليس الإنسان نفسه. كذلك قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
(عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ) [٢].
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وهكذا تكون النهاية بيد الله وحده، فلماذا الغرور؟!
يقول الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
(إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكاً فَأَخَذَ مِنَ التُّرْبَةِ الَّتِي يُدْفَنُ فِيهَا فَمَاثَهَا [٣] فِي النُّطْفَةِ فَلَا يَزَالُ قَلْبُهُ يَحِنُّ إِلَيْهَا حَتَّى يُدْفَنَ فِيهَا) [٤].
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
[١] بحار الأنوار: ج ٣٢، ص ٢٥٠.
[٢] نهج البلاغة: قصار الحكم: ٢٥٠.
[٣] ماثها: أذابها
[٤] الكافي: ج ٣، ص ٢٠٣.