من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٩ - وكان عهد الله مسؤولا
المهم أن الإنسان مهما يهيئ من الوسائل المادية، فقد يتأثر بعوامل لا يستطيع ضبطها، وهي ما نسميها معشر البشر بالصدف، أو هامش الاحتمالات.
والكفار حينما ساروا لحرب المسلمين يومئذ كانوا قد أعدوا العدة للقضاء عليهم، ولم يكن في بالهم أن شيئا يمنعهم عن المسلمين، ولكنهم انهزموا وخسروا المعركة، وكان السبب المادي الظاهر هو الخندق الذي حفر حول المدينة، وعموما ما استخدمه وهيأه الرسول من الوسائل والأساليب للمعركة، ولكن العامل الأمضى والأهم أثرا هو الجنود التي لم يلحظها المسلمون بأعينهم، وإنما جاءت إشارة القرآن إلى هذا العامل الحاسم في الانتصار بهدف إعطاء الثقة للرساليين عبر الأجيال، بأنهم يجب أن يعتمدوا بعد الاستعداد وبذل قصارى الجهود، على نصر الله لا على ذواتهم ووسائلهم المادية.
الحكمة الثانية: كما تؤكد الآيات على الابتلاء الذي يعرض الله له المؤمنين، وأنه من أهم أهداف الحروب والغزوات، فمنهم من يستفيد من البلاء والابتلاء، في تثبيت إيمانه، ومنهم من يتزلزل ولكنه يعود ليصلح مسيرته، ومنهم من ينهار تماما، والمؤمن الذي يسقط ثم يعود إلى الصواب ثانية، قد يكون أقدر على الاستمرار، من الآخر الذي لم يسقط ولا مرة لأنه لم يُجالد الشدائد، لأنه جرب السقوط، فعرف كيف يجب أن يقوم لو سقط مرة أخرى، كالجسم الذي يبتلى بجرثوم معين، ثم يطيب منه، فإنه يكتسب شيئا من المناعة ضده، لو عاوده من جديد، لكن هذا الجرثوم نفسه قد يفتك بالآخرين الذين لم يبتلوا به، وبالتالي لا يملكون مناعة ضده.
والذي يصنعه الابتلاء للإنسان المؤمن، أنه يطهر قلبه من أسباب الشك والتردد، ويمكننا أن نحدد أهم أهداف الابتلاءات والمصاعب التي يعانيها الإنسان في حياته في أمرين
ألف: تمحيص قلوب المؤمنين.
باء: تمحيص المجتمع. ففي الظروف الصعبة كالحروب يفرز المؤمن عن المنافق، مما يكشف الواقع أمام القيادة، وبالتالي يتسنى له إبعاد المنافقين من تجمعها مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ [آل عمران: ١٧٩].
الحكمة الثالثة: تبين لنا الآيات أنواعا من التبرير والأعذار التي يتشبث بها المنافقون من أجل التستر على نواياهم، وفرارهم من المسؤولية، ومن بينها قولهم إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فرارا من الحرب، دون التفكير في صحتها. و على القيادة الرسالية أن تشخص الأفكار التبريرية وتدحضها.