من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٨ - إنك لمن المرسلين
النافع الذي بلغ في تكامله ونضجه مبلغا يجعله مؤثرا في سلوك البشر، ومغيرا الحياة، وصانعا للحضارة.
دعنا نضرب مثلا: علم قيادة السيارة قد يكون نظريًّا، فهو مجرد علم، وقد يتحول إلى مهارة عملية. ألا يختلفان؟ [١]. ولكن أين الاختلاف؟ إنما في أن دراسة قيادة السيارة في معهد مرحلة أولية في علم القيادة، أما إذا تدرب الإنسان عليها بلغ العلم مرحلته النهائية، والقرآن ذلك الكتاب الحكيم الذي يشفي الصدور، ويبعث الهمم، ويعطي البصائر، ويكمل العقل، ويضع الشرائع السليمة، .. فهو ليس علم الحياة بل هو الحياة.
[٣] الرسالة حقيقة لا ينكرها إلا المعاندون، وقد أرسل الله أنبياءه عليهم السلام حتى لم يكن إنكار الرسالة أصلا يجدي أحدا نفعا، ولعل التعبير القرآني هنا يوحي بهذه الحقيقة إذ قال إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ فلست بدعا من الرسل، وإنما أنت واحد من أولئك الكرام الذين بلغوا عن الله، وأنت تصدقهم، وهم بشروا بك .. وهذا بدوره شهادة على صدق الرسول.
[٤] وشهادة أخرى على ذلك أن الرسول على الصراط المستقيم، استقامة النفس بالعقل، واستقامة السلوك بالشرع، واستقامة القول بالصدق، واستقامة العمل بالصلاح.
فإذا ضلت المذاهب في ربهم فإن الرسول يهدي الإنسان إلى الله بما يتفق مع الفطرة والعقل، وحين يبلغ العبد معرفة الرب لا يبقى لديه ريب في صدق الرسالة.
وإذا تطرفت المذاهب فأهمل بعضها العقل وأهمل البعض البدن، فإن الرسول على طريق مستقيم وسط، لم يهمل جانبا على حساب جانب.
وإذا كانت الأهواء تسير الناس ذات اليمين وذات الشمال فإن ضغوط المجتمع والاقتصاد والسياسة تتكسر على صمود الرسول ثم تتلاشى أمام استقامته التي تحدت إغراء الشمس والقمر.
إن استقامة رسالة النبي وسلوكه تشهد على أنه ينطق عن الوحي، وأنه مؤيد بالغيب عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[٥] بماذا أنزل الله الرسالة؟ وأي اسم يعكسه كتابه؟ أوليس الكتاب دليل صاحبه؟.
[١] إننا نستخدم كلمة العلم عادة في الجانب النظري بينما نستخدم للجانب العملي كلمات مثل الفن والمهارة والتدريب والتقنية.