من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٧ - إنك لمن المرسلين
القسم يكون أبلغ أكد، ولعل كل ما في القرآن من حلف هو من هذا النوع. أليس القرآن كتاب حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ وهكذا ينبغي البحث دائما عما يوصل بين طرفي القسم، وهو في الأكثر صلة الحجة والشهادة.
وهنا يحلف الذكر بالقرآن الحكيم على رسالة النبي. أوليس القرآن أكبر شاهد على رسالته؟ أوليس المعجزة التي لا تفنى ولا تنتهي غرائبه، الجديد أبدا الذي يسبق الحياة دائما.
يس ترى أي صفة في القرآن تجعله أكبر شاهد على الرسالة؟ هل هي بلاغته التي أخرست العرب الذين زهوا ببلاغتهم وسموا أنفسهم عربا لأنهم أعربوا عما يختلج في ضمائرهم؟.
أم لأنه جاء على يد نبي أمي ما عهد القراءة والكتابة؟.
أم لأنه تنبأ بالمستقبل فلما تحققت أنباؤه عرف الناس صدقه؟.
أم لأنه أنبت حضارة ربانية في أرض الجاهلية العريقة؟.
كل تلك الصفات شواهد صدق الرسالة إلا إن الصفة الأسمى للقرآن حكمته. ما هي هذه الحكمة التي يحلف بها الرب هنا ليستدل على أن محمدا صلى الله عليه واله من المرسلين؟.
لا يزال (العلم) الشاهد العظيم عند كل الناس على صدق أو كذب أصحاب الدعوات الجديدة، والقرآن فتح أمام البشرية ولا يزال آفاق المعرفة
عرفهم بربهم حتى وجده العارفون، وجالسه الذاكرون، واستأنس به المريدون.
عرفهم بأنفسهم حتى بصروا عيوبها، وميزوا بين فجورها وتقواها، واجتهدوا في تزكيتها وتنمية المواهب فيها.
عرفهم بالسنن الإلهية في الأمم الغابرة حتى أخذوا بأسباب التقدم، وتمسكوا بأهداب التكامل والفلاح.
عرفهم بمناهج المعرفة، وسبل السلام، ومفاتيح النجاح، ووسائل القرب إلى الله.
فأية شهادة أكبر على صدق الرسالة من ذات الرسالات، وعلى صدق الرسول من أنه يحملها ويطبقها؟
والقرآن ليس فقط كتاب علم بل هو أيضا كتاب حكمة، والحكمة- كما يبدو لي- العلم