من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض
قسريا، فالله عز وجل جعل نظام الكون قائما على أساس الزوجية في كل شيء قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]، وهو سبحانه الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى.
ولو لم يكن الإنسان ليجوع لما شعر بلذة الطعام، كذلك لو لم يتوتر لما شعر بلذة الزواج، وهذا دليل التقدير في الحياة وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا إن الله جعل استمرار حياة نوع البشر عبر التقاء الذكر بالأنثى، ولكن هذا الالتقاء لا يتم قسراً، إنما يتمّ برغبة الطرفين، فيبحث الرجال عن النساء، ولولا هذه الرغبة الجامحة للزواج لتخلّى عن الزواج رأساً، لما فيه من مسؤوليات كبيرة، ولكنّ الله الذي جعل خلقة الإنسان عن طريق الزواج هو الذي جعل فيه حاجة نفسية لا تتحقق إلّا به فقال وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً الزوجان اللذان لم يعرفا بعضهما حتى لحظة الزواج يندمجان معا، وكأنهما روح واحدة تقمصت بدنين.
إن الصلة التي يُمْتِنُ ربنا آصرتها بين الزوجين ومن خلالهما بين سائر أبناء المجتمع تتجاوز المودة المادية القائمة على أساس المصالح المشتركة والخدمات المتبادلة لتصبح صلة روحية يفكر كل طرف في مدى عطائه قبل أن يبحث عما يأخذه، وقد يضحي بنفسه من أجل المحافظة على قرينه أو قريبه.
وبتعبير آخر: ينطلق التقاء الزوجين من أرض الشهوة الجنسية، و الحاجة إلى إشباع الحاجات المادية المختلفة، ولكنه لا يقف عند هذا الحد، بل يمضي قدما حتى يصبح حبا عميقا، يقوم على أساس الإيثار والعطاء، ويصل إلى حد الفداء والتضحية.
وهكذا تكون العلاقة في البداية مَوَدَّةً، ولكنها لا تلبث حتى تصبح وَرَحْمَةً.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وهدف التفكر هو إثارة المعلومات الظاهرة وتقليبها على بعضها للحصول على معلومات جديدة، وحين يتفكر الإنسان في ظواهر الحياة المحيطة به والتي قد يستخف بها لأنها أصبحت جدا واضحة، فإنه يبلغ غور المعرفة ويفهم حكمة الحياة.
[٢٢] ومن آياته سبحانه خلق السماوات والأرض، واختلاف ألوان الناس وألسنتهم ذلك الاختلاف الواسع وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ يبدو أن هناك علاقة بين خلق السماوات والأرض، وبين اختلاف اللون واللسان، وربما تكون هذه العلاقة موجودة، ففي المناطق الاستوائية لون