تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٧ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٢٠
كما في قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [٤٥/ ٢٣].
و أكثر الناس- الا من أيّده اللّه بالتقديس الأتم و التنزيه الأكمل- عابدوا أصنام العقائد الجزئية، و معتقدو الصور الوهمية، حتى أن عبدة الأصنام الخارجية الحجرية و الخشبية و المعدنية انما عبدوها لاعتقادهم معنى الالهية في تلك الأجساد من الجماد و غيره، فهم ايضا بالحقيقة قد عبدوا معتقداتهم و ما حصل في اوهامهم فالهوى معبودهم جميعا أولا و بالذات، و الصنم الخارجي معبود لهم بالعرض فعلى هذا غير الموحد العارف لهم جميعا اشتراك في الاشراك و اتفاق في طلب الهوى و عبادة غير الحق و ما سوى.
و ما من مؤمن الا و له عبور عن هذه الاعتقادات الجزئية، فورود الصور الوهمية او الأصنام الخيالية لا على وجه الإذعان بل على مسلك التفتيش و تصوير الاحتمالات البعيدة، ليقام على نفيها البرهان، كما وقع للخليل- على نبينا و آله و عليه السلام- من العبور على آلهة عبدة الكواكب لزيادة الكشف و اليقين في تنزيه الحق الاول عن مماثلتها، و لاقامة البرهان على فساد توهم المحجوبين و إخراج تلك الصور التي هي الاه سائر المعتقدين من المشركين و المعطلين من أن يستأهل اعتقاد الالوهية فيها، فانه يوجب العذاب الأليم، و يستدعي عقوبة الاحتجاب من اللّه و التردي الى أسفل درك الجحيم.
فقد ظهر أن أهل البصيرة الالهية يعبرون عنها في أسرع زمان من غير أن يتضرروا بها، كما
قال واحد من أهل البيت عليهم السلام: «جزناها و هي خامدة»
٣ و اليه الاشارة في قوله سبحانه: إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [١٩/ ٧٢].
فكان حبيب النجار من جملة أهل البصيرة الذين نور اللّه بواطنهم بكشف الحقائق و الارتقاء من عالم الوهم و الخيال الى عالم التقديس بنور المعرفة و الحال،