تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٢ - توضيح تنبيهى و تمثيل تفصيلي
أنهم يطلبون العلة في آحاد البسائط و يريدون أن يكون العلة مستفادة من عنصر الشيء، و لا يحيلونها الى الأمور الالهية التي تنبعث منها أسباب كل شيء و مباديه بل يطلبون أن يخيل لهم كل قوة و كل طبيعة حتى تصير مرتسمة في أذهانهم من غير ارتياض لهم في العقليات، و لا مكاشفات ذوقية لهم في السمعيات، و لم يعلموا ان غاية ما يمكن أن يعطى من السبب في وجود الطبائع و ترتب آثارها العجيبة من جذب المقناطيس و تورى المرخ و العفار، و سميته البيش [١] و ترياقية الجدوار [٢] امور ثلاثة:
أحدها: الفاعل- و هو تدبير الصانع وجوده و عدله و إعطائه كل شيء بموجب الحكمة و الجود ما يليق إعطائه إياه، و الصانع أعطى الهيولى التي أبدعها من الصور ما كان يجب في حكمته وجوده على التقسيم و التقسيط، الذي كان يقتضيه تقديره و عدله.
و الثاني: القابل- و هو أن يقال ان القابل كان مستعدا لهذا الضرب من التخليق و التصوير، و كان استعداد ما يحصل له في حال البساطة قبل التركيب استعدادا آخر، و ما يحصل له بعد التركيب و تلاحق الأمور به بحسب أنحاء التركيب و أنواع التمزيج استعدادا آخر.
و الثالث: الغاية- و هو الغرض الحكمي في صنع الصانع ما صنع لأجله، و له الخلق و الامر، تعالى عما يصفه الجاهلون- و عن خلو فعله عن داع و غاية كما زعمه الأكثرون- علوا كبيرا.
فهذه الأمور غاية ما يصل اليه أفهام العقول، و أما ما وراء ذلك فمما يقصر الإدراك البشري عن إدراكه، و لا يمكن الوصول اليه بطور العقل النظري الا بمتابعة الأنبياء و الاقتداء بآثارهم، و الاقتباس من مشكوة أنوارهم، و العجب من هؤلاء إذ
[١] - نباتات عشبية فيها سم قاتل يستعمل في الطب كدواء ضد التشنج.
[٢] - نبات طبية يستعمل كترياق لسم البيش.