تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣ - سر آخر
الملائكة و الروح، فتحتاج الى علم التوحيد الذي سلكه جميع الأنبياء من لدن آدم الى الخاتم عليه و عليهم السلام، و اليه الغرض في بعثة نبينا صلّى اللّه عليه و آله، هذه سبيله و سبيل من اتبعه الى يوم القيامة لقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي [١٢/ ١٠٨].
فبينك أيها الغافل و بين ما خلقت لأجله هذه المفاوز العظيمة و الاودية الشاقّة و العقبات الشاهقة، و أنت لم تفرغ من أدنى العقبات و هي معرفة نفسك، ثم تدعي بوقاحتك معرفة الرب و تقول: عرفته و عرفت قدرته و خلقه- ففيما ذا تفكر؟ و الى ما ذا تطلع؟
و هذه غاية القصور و نهاية الغرور، فارفع- قبل أن يستحكم فيك هذا الجهل المركّب و يترسخ هذا الغرور المعجب- رأسك الى السماء و انظر فيها نظر اولى العلم و الدراية و الحكمة- لا نظر البهائم الى الدولاب و الدعامة- و في كواكبها و في دورانها على الدوام و دؤوبها على الاستمرار في طاعة اللّه الملك العلام من غير فتور في حركاتها، و من غير تقصير في سعيها و سيرها و لا تغيير في نسقها و سنّتها، بل يجرى جميعا في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد و لا ينقص، الى أن يطويها اللّه طي السجل لكتاب.
ثم انظر كيفية أشكالها، فبعضها على صورة الحمل و الثور، و بعضها على صورة الأسد و العقرب، و بعضها على صورة البشر من الرامي و التوأمين، و ما من صورة في الأرض الا و لها مثال في السماء.
ثم انظر الى عظمة مقدارها و قوة قواها و شدة أنوارها و كثرة آثارها و قد اتفق الناظرون في علم الهيئة على أن الشمس مائة و نيّف و ستون أمثال الأرض و في الاخبار ما يدل على عظمة الكواكب التي نراها، أصغرها هي مثل الأرض