تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٣ - سورة يس(٣٦) آية ١٨
[سورة يس (٣٦): آية ١٨]
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)
لما عجزوا عن الزام الرسل، و سكتوا عن اقامة العذر عن قبول دعوتهم، و لم يبق لهم مهرب عن ذلك، تشبّثوا بذيل النفس و الدنيا، و أقروا بالعجز عن ترك هذا الأدنى، و تعللوا اعذارهم في عدم الايمان بالرسل و قبول دعوة التكليف بأن صحبة الهداة و المذكرين شؤم لهم. ثم ما اكتفوا بذلك حتى قابلوا أهل اللّه بالمجاهدة بالنزاع و المخاصمة و الرجم و الإيلام الشديد.
و ذلك كله لفساد العقل و محبة الباطل و طاعة الهوى و قبول دعوة الشيطان لان الشيطان يعدهم الفقر و يأمرهم بالفحشاء و سوء الظن باللّه، و ترك التوكل و تكذيب الرسل، و الاعراض عن الحق و الإقبال على الخلق، و انقطاع الرجاء من اللّه، و متابعة الشهوات و مواصلة السيئات، و إيثار الحظوظ و ترك العفة و القناعة، و التمسك بالملوك و الظلمة، و تعلق القلب بحب الدنيا و هو رأس كل خطيئة و بذر كل بليّة.
فهذه كلها و أضعافها من فروع وسوسة الشيطان و ترويجه الباطل في معرض الحق، فمن فتح على قلبه باب وسوسة الشيطان و ترويجه و لم يقمع فساده و شره عن قلبه بالعقل الكامل و البرهان النيّر القدسي، الدال على خسّة الدنيا و حقارة طالبيها، او بالسماع من أهل اللّه و أصحاب القلوب، المذكرين لخساسة الدنيا و زوالها و وخامة عاقبة شهوة النفس و وبالها، فسوف يبتلى بهذه الآفات و يقع في عرضة هذه البليّات، التي من جملتها التشؤم بصحبة الفقراء و أهل الدين الذينهم ملوك الاخرة و سلاطينها، و خدمتهم مفتاح أبواب الرحمة و السعادة،