تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣١
بالفعل من تحصيل اليقين باقامة الحجج و البيّنات المحكمات و البراهين الباهرات- سواء كان من أصحاب القوة البعيدة لتلك الاقامة، أو من أرباب الاستعداد و المكنة القريبة من الفعلية.
و الحق أن ذلك كذلك كما استقرّ عليه رأى المحققين المحقين من أفاضل علماء الملة البيضاء و أكابر حكمائهم و أفاخم عرفائهم، فاحتفظ بهذا.
و المراد من الاعتقاد الجازم باليوم الاخر قبل أن يتحقق و يتنور قلب المؤمن بنور اليقين هو عقد القلب على اختيار الطريقة البيضاء، و التمسك بعروتها الوثقى على وجه الرسوخ و الطمأنينة بحيث لا يضعف و لا يتضعف عند سنوح الشبهات و ورود التشكيكات و خطور الوساوس الشيطانية، و لن يزلّ قدم ذلك العقد و الانعقاد و لا يتزلزل في سيره و سلوكه سبيل الرشد و الرشاد بصدمة ورود الشبهات و نزول التشكيكات المشتملة على ضرب من المغلطة و نوع من المغالطات.
فيمضى في سلوكه حيث يؤمر، و لا يلتفت بوجهه المتوجه الى الحق عن ذلك التوجه أصلا طلبا لانفتاح البصيرة و تنورها بنور العلم و اليقين، طالبا للحق و انكشافه بالبرهان المبين، حسبما قال عز من قائل: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٢٩/ ٦٩] و «السبل» هي البراهين الموصلة الى نور اليقين كما قال: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [١٥/ ٩٩] و «العبادة» هي التقرب و السير و السلوك من عالم الظلمة و الزور و دار البعد و الدثور الى عالم القرب و الرحمة و النور- سواء كان ذلك السير و السلوك علميا او عمليا، و العلمي منه ايضا عمل إذ الايمان كله عمل.
و هذا النحو من الاعتقاد الراسخ قبل الوصول الى الفتح المبين و حصول نور الإيقان و اليقين، و هو ملاك الايمان المعتبر في قبول الطاعات و صحة العبادات