تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٨
و اما العبادات الاختيارية التي تتعلق بقدرة العباد و اختيارهم و لأجلها بعثت الأنبياء و نزلت الكتب و الصحف من السماء فهي تتفاوت درجاتها و اختلاف مراتبها التي لا تكاد تحصى، من آثار الرحمة الرحيمية و من آيات العلوية العليا و نزولاتها و شئوناتها و تطوراتها- فلا تغفل.
[١٥] ص ١٤٣ س ١٦ قوله: فافهم- اشارة الى كون جهة القرب من حضرة الوجود الحق الحقيقي، الذي هو تمام التمامات و كمال الكمالات و نهاية النهايات في قوة كمال الوجود و شدته، و ملاكها هو قوة الوجود الاضافي و شدته، و جهة البعد منها و مدارها و مناطها هو ضعف هذا الوجود الاضافي الذي هو تعرفه تعالى للأشياء و تجليه عليها.
فإذا بلغ هذا الوجود الاضافي في الضعف و التضعف الى النهاية يغلب عليه و فيه جهة العدم و الهلاكة، التي هي ملاك الغيبة و الخفاء و الاختفاء و الاحتجاب و الامتناع عن الانكشاف و الاباء عن الظهور و الحضور، و لما كان ملاك الشيئية في المزدوجات و المركبات من الأشياء غلبة عنصر من عناصرها، كان العنصر الغالب فيما وقع في الدرك الأسفل من البعد العدم الابي عن الظهور و الحضور، فيكون مكان ذلك الموجود الواقع في الدرك الأسفل المتقوم بقوام البعد، الملازم لغلبة العدم مكان عنصره الغالب، و ينسب اليه و يرجع و يعود حكمه اليه.
فانكشف من هاهنا سر نسيانه تعالى للأنفس التي غلبت على فطرتهم المكتسبة بقدرتهم و ارادتهم، و لسوء اختيارهم بعد اقامة الحجج البالغة عليهم و انارة طريق الهدى من الضلالة، لديهم الشقاء و الشقاوة، و رسخت في قلوبهم ريون العناد و الاستكبار، و أحاطت بها غشاوة الجهل المضاد للعقل الذي يعبد به الرحمان الواحد القهار- فهكذا ينبغي ان يفهم سر المقام و ليس المراد ما يتراءى من ظاهر العبارة و الكلام.