تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٣ - وهم و تنبيه
قال: فينطلق كل قوم الى ما كانوا يتولون و يعبدون في الدنيا، و يمثّل لهم أشباه ما كانوا يعبدون
- الحديث بطوله.
و كما يولون في الاخرة ما تولوا في الدنيا، فإنما يولون في الدنيا ما تولوه في السوابق حين خلقوا في الظلمة، فان شككت في ذلك فاتل قوله تعالى:
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ- الاية [٣٣/ ٧٢] لتعلم أن اللّه لا يحمل أحدا شيئا قهرا و جبرا، بل يعرض عليه أولا، فان تولاه ولاه، و ان لم يتوله لم يوله، و هذا رحمة اللّه و ارادته الخالية عن الكراهة أصلا، و يرحم اللّه امرأ آمن بالكتاب كله و لم يبادر بالصرف و التأويل الى ما يبلغه بعقله و بعقول غيره من الأباطيل، و لم يسلك سبيل المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين.
وهم و تنبيه
لا يقال: ليس تولية الشيء ما تولاه عدلا من كل وجه، بل حيث يكون ذلك التولي من رشد و بصيرة، فان السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة اليه و ضر لجهله و سفاهته، ثم لا يكون توليته إياه عدلا و حكمة- بل ظلما و جورا- و انما العدل و الحكمة و الشفقة في ذلك منعه إياه و صرفه عنه.
لأنا نقول: هذا التولي الذي كلامنا فيه ليس توليا يحكم عليه بالرشد و السفه، و المنفعة و المضرة، و انما هو تولى سابق على النفع و الضر، حاكم على الخير و الشر، لان به يصير الشيء متعينا في الخارج بالأسباب المقدرة له، و ما يختاره السفيه لذاته انما يسمى شرا، لأنه مناف لذاته فلذاته اقتضاء أول متعلق بنقيض هذا الاختيار، فذلك هو الذي أوجب لنا أن نسمي هذا شرا بالنسبة اليه، و أما اقتضائه الاول فلا يمكن وصفه بالشر، لأنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه