تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٢ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٧٣
بل الفيل العظيم بشخصه، الظاهر قوته، عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا الحيوان الضعيف، أفلا يشهد هو و شكله و صورته و حركته و هدايته و عجائب صنعته بفاطره الحكيم و مدبره العليم؟
فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المريد الخبير، و جلاله و كمال قدرته ما يتحيّر فيه الألباب و العقول، فضلا عن سائر الحيوانات من الانعام و غيرها، و انما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة.
و الإنسان أعجب الحيوانات، و أعجب كل عجيب، و ليس يتعجب من نفسه و أكثر الناس ناسون أنفسهم، غافلون عن عجائب القلب، شاكّون في أمر المعاد و بقاء النفس و سعادتها و شقاوتها، لأنهم عن الذكر لمبعدون، و عن السمع لمعزولون، و عن آيات ربهم معرضون، لأنهم غرتهم الحيوة الدنيا، ليسوا من أهل المحبة الالهية.
و لو أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه، فلا تزال تطلع على غرائب شمائله و آثاره، و صنايعه البديعة و نكاته الدقيقة، و تصانيفه الرشيقة و أشعاره الحسنة و كتبه النفيسة، فكلما تصفحت غريبة من تصنيفه و شعره، فتزداد به معرفة و تزداد بها محبة، و له توقيرا و تعظيما و احتراما، حتى أن كل كلمة من كلماته و كل بيت من أبيات شعره يزيده محلا في قلبك و يستدعى التعظيم له من نفسك.
فهكذا المحبون للّه، العاشقون لصنعته و قدرته، يتأملون في بدائع خلق اللّه و تصنيفه، و يتدبرون في دقائق حكمة اللّه و عنايته في وجود السموات و الأرض و ما بينهما، ثم اعلم ان نظر العشاق الالهين في كل شيء نظر آخر، لان عيونهم مكحلة بسواد الزبر الموروثة من الأنبياء، و بصائرهم منورة بأنوار متابعة سيد