تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣١ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٧٣
فانظر الى النحل و مسدساتها، و الى اهتدائها و تفطّنها بوحي اللّه اليها في اتخاذ بيوتها من الجبال و من الشجر و مما يعرشون، ثم اهتدائها الى بناء بيوتها على وضع الاشكال المناسبة لأبدانها، و حيث لم يمكن في أفضل الاشكال ترامى (تراخى- ن) بعضها لبعض من غير فرجة و فصل تحرت من الاشكال الى ما هي الأشبه بالاستدارة- و هي المسدسات- لكون مساحتها كمساحة الدائرة، حاصلة من تربيع نصف قطرها في نصف محيطها، و ليس غير المسدس من المضلعات هكذا، فسبحان من هداها من المعرفة و القياس ما لم يصل اليها فهم كثير من الناس.
ثم انظر الى العنكبوت و مثلّثاته على طرف نهر أو باب، كيف يطلب أولا فرجة بين موضعين متقاربين بمقدار ذراع، حتى يمكنه أن يصل بالخيط اللعابي بين طرفيه، ثم يبتدئ فيلقى لعابه الخيطي الى جانب فيلتصق به، فيعدو الى الجانب الاخر، فيحكم الطرف الاخر من الخيط، ثم يحكم كذلك ثانيا و ثالثا و يجعل بعد ما بينها تناسبا هندسيا حتى إذا أحكم معاقد القمط و رتب الخيوط كاللحمة اشتغل بالتسديد، فيضيف السدي الى اللحمة و يحكم العقد على موضع التقاء السدى باللحمة، و يرعى في جميع ذلك تناسب الهندسية، و يجعل ذلك شبكة لاصطياد البق و الذباب، و يقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة، فإذا وقع بادر الى أخذه و أكله فان عجز عن الصيد كذلك، طلب لنفسه زاوية من حائط، و وصل بين طرفيه في الزاوية بخيط، ثم علق نفسه منها بخيط آخر و بقي متمسكا في الهواء ينتظر ذبابة تطير، فإذا طار ذباب رمى نفسه اليه، فأخذه و لفّ خيطه على رجله و أحكمه ثم أكله.
أفترى انه يعلم هذه الصنعة من نفسه؟ او كون نفسه؟ او كونه آدمى او علمه؟ أو لا هادى له و لا معلم؟ أ فيشك ذو بصيرة في أنها مسكينة عاجزة ضعيفة؟