تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٠ - اشارة قرآنية
و هكذا الإنسان لا يستعد لنفخ الروح الالهي القابل للخلافة الالهيّة و مسجوديّة الملائكة العلويّة و السفلية ما لم يرتض بالرياضات النفسانيّة، و لم يتهذب بالتهذيبات العقلية، و لم يمتحن بالمحن الشديدة، و التكاليف الشرعيّة و الآداب النبوية- من الصيام و القيام و غيرها، و تكثير الأوراد و الدعوات، و مواصلة الاذكار و التسبيحات طول الليالي و الأنهار- و هكذا حتى مضت عليه مدة مديدة من الشهور و السنين، و بلغ أو ان بلوغه الحقيقي الباطني الى قرب أربعين، و هكذا يتطور من طور الى طور حتى بلغ الى ما لم يمكن وصفه مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر.
و المقصود ان خلقة المكّونات من البسائط و المركبات- كما دلّت عليه هذه الاية و كثير من الآيات- لأجل ماهيّة الإنسان و وجوده الفائق على سائر المخلوقات على الوجه الذي مر بيانه، و قد أشرنا الى أن المتحرك الى غاية، ما دام كونه متحركا اليها، يجب ان يكون أمرا بالقوّة، شبيها بالعدم، تحقيقا لمعنى الحركة، و تحت هذا أسرار لطيفة يختص فهمه لمن وفق له.
اشارة قرآنية
اعلم ان قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا معناه كما ذكره صاحب الكشاف عملنا بالأيدي، و ذلك لما حقق أن المؤثر الحقيقي في خلق الموجودات هو الباري سبحانه، و الوسائط مسخّرة لقدرته، سواء كانت ملائكة علويّة أو سفلية، أو كانت أجراما سماوية او أرضية، إذ ليس لشيء منها رتبة الإنشاء و الإيجاد اللهم الا ان يراد بالعمل معنى التحريك و الاعداد بإذن اللّه المعطى الجواد.
و روح اليد و معناه الاصلي ليس منحصرا في الجارحة المخصوصة التي اعتاد أهل اللغة بفهمها عند اطلاق لفظ «اليد» بل الواسطة الطبيعيّة بين القدرة