تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٩ - تبيان كلامى و برهان حكمى
أو لا ترى ان العناصر ما لم ينكسر قوتها و سورة كيفيتها حتى كادت أن يفنى و ينفسد و يتعرى عن كسوة الصورة، لم يترحم الباري عليها بافاضة وجود مستأنف و إعطاء كسوة جديدة، و كذا الحبوب و البذور المدفونة في الأرض، ما لم يتعذب بصحبة المخالط الضّد حتى كادت تنفسد لم تحصل فيه قوة النماء و لم تتخط من طور الجماديّة الى نشأة النبات.
و كذا ليس كل جسد نباتي قابلا لصورة الحيوان التام، بل ما مكث في جهنم المعدة مدة الانهضام، ثم سلك المسالك الضيقة في العروق و المسام، و سعى في خدمة اللّه و عمارة كعبة القلب الصوري الصنوبري و بيت اللّه الحرام، حتى يصير سعيه مشكورا و ذنبه مغفورا، و أعطاه اللّه صورة الحس و الحركة و أحياه بالحياة الحسيّة.
و كذا ليس كل حيوان يقبل النفس الناطقة التي من شأنها ادراك المعرفة و اليقين، و الوصول الى عالم الاخرة يوم الدين، بل الذي مضت عليه أيام و شهور محبوسا في جهنم المعدة، مسجونا بسجن الرحم و مضيق المشيمة، معذبا بيد مالك الطبيعة، مقيّدا بقيود سدنة القوى الاربعة الهاضمة و زبانية القوى التسعة عشر الحيوانيّة، شاربا شراب الحميم، متغذيا بدم الحيض الحار الأسود، متلطّخا بالافراث و الاوراث مصليّا بنار الحرارة الغريزية- و هكذا- الى أن يأذن اللّه له في الدخول الى عالم النعيم الانساني، و جنّة المشتهيات النفسانيّة، و كرمه بكرامة الصورة الادميّة، المحمولة في بر الجسمانيّات و بحر الروحانيات، المرزوقة من طيبات الكلمات الحكميّة و العقلية، المفضلة على كثير من المخلوقات، كقوله: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [١٧/ ٧٠].